الأحد، أغسطس 25، 2013

دراما مصرية

دراما مصرية 2013؛ الدكتاتور البريء، والشعب الشقي!

سطِّـَّر قلم الواقع في مصر هذه الأيام ما عجزت عن تسطيره كل أقلام دراما الخيال، وحبك هذا القلم من عقد دراما الواقع ما لم يستطع حبكه أساطين الرواية وجهابذة قصص الخيال على مر العصور!

وكلما أجاد صانع الدراما في حبك عقده الدرامية، كلما تطلب منه ذلك صنع جو وبيئة افتراضية شاهقة العلو، يأخذ إليها كل من يربطهم بخيوطه الملتوية، ويعلقهم بحباله المتداخلة. ثم يقوم هذا البهلوان وبشكل مفاجئ بقطع جميع تلك الخيوط والحبال، ليقذف بالعيون المعلقة والأفئدة المشدودة من أعلى ذروة الحدث إلى عمق قاعه، موقعا ضحاياه في دوامة ذهنية، تفعل في ذهنهم أكثر بكثير مما تفعله أصابع الكيمياء في دروب المخ وسراديبه!

حالة نجاح الثورة على الظلم والاستبداد والطغيان صبغت عقولنا بكيمياء الانتصار، وحقنت أفئدتنا بصنوف منشطات ومدغدغات الوعي ومبهجاته، وحلقت بنا واقعا لا خيالا في ذرى الحرية، وأروت رئاتنا بأنقى وأصفى نسائم الانعتاق، ووضعتنا حيث كنا نحلم أن نكون؛ وفجأة اضطربت الكيمياء، وتعطلت قوانينها، وانقطع سيل الانتصار، وجف معين البهجة، محدثا ذلك اضطرابا كونيا عكس حركة الأرض، وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء، وأخرج الديناصورات المنقرضة، وبعث الروح في مومياء الفرعون، وامتلأت الشوارع والميادين والإذاعات والمكاتب بكائنات عتيقة، وصارت أيدي الناس وألسنتها تزيل الصدأ والتراب عن أشياء وعبارات وإيقاعات مقبورة بائدة أخذت تستعملها وترددها بطريقة لا تُخفي ما لحق بهذه الأيدي والألسن من مسخ وإجبار واضطرار!

الفراعنة الاستبداديون صاروا أباء الحرية وبُناتها! الجنرالات الانقلابيون الدمويون المتسمرون على كراسيهم الذين لا يتحولون حتى تحولهم عوامل البيئة وأصابع الزمن، صاروا هم رعاة الديمقراطية والأمناء عليها! غزة المحاصرة من قِبل صناع الإرهاب تتحول بين يوم وليلة إلى صانعة إرهاب، وتُقطع بدون أي مبرر كل شرايين الحياة الواصلة بينها وبين مصدر حياتها الوحيد؛ مصر! شركاء الوطن والثورة على الدكتاتورية يتحولون إلى غزاة ودخلاء لا سبيل أمامهم إلا سبيل الفرار أو الاستئصال! الجيش المصري يقتل الشعب المصري! أمن دولة حانق مغتاظ يعود إلى موبقاته القديمة التي استتيب وتاب منها توبة نصوحا! مبارك المُجرَّم بشرعية ثورة يناير، تعتذر منه ثورة يونيو! الحكام المنتخبون يُسجنون، ويتولى الحكم حكام لا يعرفهم أحد، ولم ينتخبهم أحد! أناشيد وإيقاعات ديمقراطية تملأ المكان، وفجأة يغص قائلها بها، ويلوذ بالفرار خوف القبض عليه متلبسا بجرم الديمقراطية! ..... الخ.

ولكن كل ذلك هين أمام الطامة الكبرى والنكبة العظمى: مواجهة الشعب بعضه بعضا، وتجريم الشعب بعضه بعضا!

الدراما المصرية التي تدور أحداثها الآن على كامل أرض مصر، وربما تمتد إلى الأراضي المجاورة، لم تتشكل عقدتها الدرامية المثيرة جراء خطأ إجرائي بسيط، بل تشكلت بفعل خطأ سياسي جسيم أسقط لعبة الديمقراطية وقوانينها، وأسقط مع ذلك الكتلتين البشريتين الكبيرتين المتقابلتين اللتين حملتهما القوانين والروافع الجبارة لهذه اللعبة ووفقت بينهما.

المشهد الأخير من الدراما السوداء الذي تنغلق عليه هذه الآونة ستارة مسرح دراما الواقع المصري، ظهر على الصورة المأساوية التالية:

الشعب المصري الذي وحدته ثورة يناير، تشطره ثورة يونيو، وتقسمه إلى شطرين يُجرَّم أحدهما الآخر ويعاديه!

فرعون مصر يُستعتب، ويُرقّى إلى رتبة قديس!

والعاقبة لكل المبتلين بالربيع العربي البئيس!

محمد عبد الله الشيباني




إرسال تعليق