الأربعاء، أكتوبر 12، 2011

رمادي

                     ** رمادي **

اللون الرمادي، كما هو معروف، هو اللون الواقع بين اللون الأبيض المشرق المعروف، واللون الأسود بقتامته المعهودة. أما الرمادي الذي يعنيه عنوان هذا المقال الحواري، هو نموذج بشري أفرزته حقبة القذافي السوداء، وذلك  بسبب ما جرت في هذا العصر من ممارسات ظالمة طال بأسها أفئدة الناس وعقولهم، فظهرت منهم أنواع وأصناف جديدة، من بينها ذلك الشخص الرمادي الواقف دائما في المنطقة الحدودية بين القوى المتصارعة، وهو بموقفه هذا يحرص على أن يكون في حالة تربص من شأنها أن تساعده على التقاط الفرصة واصطياد الغنيمة.

طبقة الرماديون بطبيعتها الانتهازية النفعية، هي دائما على استعداد بأن تتعاطى مع أي وضع، واضعة منفعتها ومصلحتها الضيقة الآنية فوق أي مصلحة، ولو كانت مصلحة الوطن العليا.

ولأن في الأنظمة الدكتاتورية، كنظام القذافي المنهار، تتركز كل المنافع والمصالح في خزائن الدكتاتور وعصابته، تجمع الرماديون الليبيون حول القذافي وعائلته وحواريه، وركنوا إليه، حتى وصل بعضهم إلى الدوائر القريبة جدا من حمى الخيمة سيئة الصيت، متخذين لشخوصهم الرمادية مسميات مختلفة، مثل الأمناء، ورؤساء الأجهزة، ومدراء الشركات والمؤسسات والهيئات، وغيرها.

أنانية الرمادي وإمعته مسخت ذاته، وجعلته مجرد آلة صماء يستخدمها كل من أمسك بها وفق ما يريد، وفي الاتجاه الذي يشاء، ولكنه وبمجرد فقدان السيطرة على هذه الآلة تتحول إلى آلة ضده، وبمعنى أدق ليس في نفس الرمادي ميزان يقيس به الأمور، فيتبع أقومها، ويترك أرذلها، بل إنه يحمل بوصلة يتجه مؤشرها دائما نحو منفعته الشخصية الضيقة. 

المئات وربما الآلاف من الرماديين ساهموا بطريقة أو بأخرى في إفساد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيما مضى، وهم سيلعبون الدور نفسه، لو لم يتم رصدهم والعمل على إعادة تأهيل من به بقية من صلاح منهم، وطرح من تشربت نفسه النفاق، وران على قلبه الغش والخداع.

وفي هذا الحوار يفترض كاتبه قيام الجهات المختصة برصد أحد الرماديين والتحفظ عليه. ولأن هذا الرمادي وصل غرفة التوقيف متأخرا، قرر ضابط التحقيق استجوابه عند الصباح.

أمضى الرمادي تلك الليلة وحيدا، وانهالت عليه الوساوس والخواطر، فقضى الليل كله يسائل نفسه، مستفهما منها تارة، ولائما لها أخرى، مدونا كل ما طرحه من أسئلة، وما ردت به نفسه من أجوبة عليها.

وعند حلول الصباح، وشروع الضابط بالتحقيق مع الرمادي المتهم كما كان مقررا، سارع الرمادي بتقديم محضر استجوابه لنفسه إلى الضابط، فاستغرب منه الضابط ذلك، ولكن ما إن اطلع الضابط على المحضر حتى أعجب به ووقع عليه واعتمده.

ومكافئة للرمادي على ما قدم من عمل، وما حواه تحقيقه مع ذاته من شفافية، واعتراف بالخطإ، وندم عليه، دعاه الضابط إلى مشاركته وجبة إفطاره، مستبدلا جلسة التحقيق بجلسة إفطار رومانسية وادعة. 

وتعميما للفائدة، وتكريسا لقواعد الديمقراطية، وتفعيلا لمبادئ الإعلام الراشد، أمر الضابط الرشيد بنشر نص المحضر في وسائل النشر المختلفة، مؤملا من كل رمادي آخر أن يفعل الفعل ذاته، ويقوم بمسائلة نفسه، والتحقيق معها، متخذا من محضر محاورة الذات ومساءلتها المذكور، وسيلة إيضاح له.

وفيما يلى نص هذا المحضر كما نشرته مدونة ربيع ليبيا:

ــ هل أنا رمادي؟
ــ نعم

ــ لماذا؟
ــ لأنني لم أكن من ضمن عشرات آلاف القتلى والمفقودين والجرحى.

ــ ربما كنت معهم، وحاولت أن تفعل ما فعلوا، ولكن الله حفظك.
ــ كلا.

ــ ربما منعك مرضك، أو كبر سنك عن ذلك.
ــ كلا.

ــ ربما سارعت وكنت أحد أعضاء المجلس الانتقالي، أو التنفيذي، أو ما شابههم، واكتفيت بدورك السياسي أو الإداري.
ــ كلا.

ــ ربما كنت من أصحاب الملايين الذين أنابت عنهم ملايينهم في مجهود المعركة.
ــ كلا.

ــ ربما كنت ممن قدموا معونات عينية، أو ممن انخرطوا في العمل الخيري.
ــ كلا.

ــ ربما قفزت إلى أحد المنصات الإعلامية، وأسرف فني الماكياج في تلميع صورتك.
ــ كلا.

ــ أتعبتني حقا. ألا تقل لي من أنت، وأي عمل عملته حتى جعلك تحتفظ بوظيفتك ومركزك السابقين؟
 ــ أنا رمادي قديم مخضرم، كما تعلم، ولم أفعل شيئا سوى أنني قمت بالانشقاق عن النظام السابق في الوقت والزمان المناسب جدا.

ــ وبذا لم تخسر وظيفتك وامتيازاتك السابقة. أليس كذلك؟
ــ بلى، فالرماديون حاذقون، ودائما لا يخسرون.

ــ ألم تقل إنك أعلنت انشقاقك، وتخليت عن وظيفتك المرموقة السابقة التي كانت تفيض عليك بالكثير مما يعرفه الناس، والأكثر الذي لم يعرفوه؟
ــ أجل، ولكنني قدمت وظيفتي تلك التي انتهت صلاحيتها، لأستبدلها بأخرى جديدة أحسن منها.

ــ عجيبون أنتم أيها الرماديون الحذاق. خبرني عنكم أكثر؟
ــ نحن الرماديون يجمعنا معبد المصلحة المقدس، حيث نمارس فيه طقوسنا المنتظمة الثابتة.

ــ ما هي أهم طقوسكم؟
ــ من أهم طقوسنا الوقوف دائما إلى جانب الأقوى والأكثر نفعا لنا، حتى إذا شعرنا بتغير الموازين، قمنا على الفور بتغيير أماكننا، والوقوف في المكان الجديد، وهو بطبيعة الحال الأجدى والأنفع لنا.

ــ وماذا أيضا؟
ــ نحن الرماديون يغلب علينا الصمت.

ــ وماذا لو طلب منكم الكلام؟
ــ غالبا ما نلجأ إلى المعاريض، فكلامنا دائما حمّال أوجه.

ــ ذلك عن الكلام، وماذا لو طُلِب منكم الفعل؟
ــ نستخدم ذكاءنا المعهود، ونفعل ما يُطلب منا، ولكن من وراء دروعنا السميكة، وعصينا الذكية الطويلة.

ــ كأنكم بهذا تسكتون عن الحق، وتوسوسون بالشر!
ــ أجل نفعل ذلك ولكن بمهنية وتفنن.

ــ وهل نفعتكم هذه التقنية، وأفادتكم فنونها؟
ــ أجل. ألم تر أننا باستخدام هذه التقنية تحصلنا على نصيبنا من كعكة سبتمبر، وها نحن نقطف ورد فبراير بعد زوال شوكه. والأمثلة الحية على ذلك أكثر من أن تحصى، ذلك أن الكثيرين ممن ركبوا موجة فبراير، كانوا جنودا مخلصين للقذافي ونظامه، ولم يعرف عنهم يوما مجرد ضيقهم بما يفعل القذافي من موبقات، ولم يسجل لهم اتخاذ أي موقف يعبر عن ذلك.

ــ ولكنكم بذلك تفعلون فعل الشياطين.
ــ ماذا تعني؟

ــ أقصد التغرير بالآخرين ودفعهم لارتكاب ما تريدون؟
ــ ذلك لأننا وجدنا عند الآخرين الاستعداد لفعل ما يوكل إليهم من أفعال.

ــ ربما فعلوا ذلك لعدم توفر القدوة الصالحة فيكم.
ــ حقا لم نكن قدوة صالحة.

ــ ولكننا لم نر لكم أيضا موقفا إزاء ما يجري أمامكم من منكر ظاهر.
ــ لسنا مسئولين على كل ما يجري أمامنا، كما أن كثيرا مما يجري لا ندري به.

ــ ههه. كيف لا تدرون، والقتلة والمجرمون المأتمرون بأمر القذافي يجاهرون بكل ما يفعلون، ويستلمون الأوسمة عن كل ما يقترفون؟

ــ أيا كان الأمر، فذلك شأن الظلمة والقتلة ومسئوليتهم، وليس شأن الرماديون، فما من رمادي، كما هو معروف، تم ضبطه متلبسا بالجرائم التي ذكرت.

ــ ربما يكون هذا صحيحا، ولكن ما من رمادي إلا وصانع ظالما وركن إليه، ولولا ركون الرمادي وممالاته للظالمين الظاهرين لم يكن ليرشح لأي منصب؛ فكل مدير سابق لمصرف أو مرفق مالي إلا واقترحه وزكاه صالح إبراهيم، وكذا ما من مدير نافذ في قطاع الاستثمارات الخارجية إلا وباركه وقدمه محمد الحويج، وكذلك ما من مدير لمؤسسة تعليمية كبيرة إلا وأحمد إبراهيم هو من اقترحه وفرضه، وهكذا مع بقية القطاعات. هذا بالإضافة إلى التزكية والتعميد المعروف من قبل مكتب اللجان الثورية، أو قلم القائد الفار، أو غير ذلك من محطات تفريخ الرماديين الكثيرين.
 ــ أجل، فكل من اعتلى منصبا مرموقا في نظام القذافي من المناصب التي ذكرت كان ضمن هذه القائمة، أعني قائمتنا نحن الرماديين.

ــ وماذا تقول في ذلك. أعني الركون إلى أركان النظام السابقين الظالمين، وخطبة ودهم، وتنفيذ أوامرهم وتوجيهاتهم؟
ــ نعم فعلنا ذلك، ولكننا كنا نعرف من أين تؤكل الكتف.

ــ ماذا تعني؟
ــ أعني أننا نظهر لهم الطاعة، ونسرف في إطرائهم، ولكننا لا نفعل كل ما يريدون.

ــ أليس هذا ضربا من الخداع، وإخلالا بواجب الوظيفة؟
ــ بلى، ولكن هذا سلوك شائع كما تعلم، وهو ما يعزى إليه تدهور الأوضاع السابقة وانهيارها لاحقا.

ــ هذا مرعب. ولكن هل سيبقى الرماديون، وأنت منهم، على هذا الحال في عصر فبراير الجديد، فيتدهور وينهار كسابقه؟ 
ــ أخفتني!

ــ لماذا؟
ــ لأنني أحسست بأنك تقصدني، فأنا كما تعلم كنت مديرا لمؤسسة مالية في زمن القذافي بتزكية من صالح ابراهيم، وها قد تمت تزكيتي من قبل أحد أصدقائي بالمجلس التنفيذي، وتم تكليفي بالمهمة نفسها في عصر ثورة فبراير المجيدة المباركة المعظمة الرائعة الفريدة الـــــــــــ .........!

ــ لم تنس عادتك السابقة في التطبيل والتزمير!
ــ أعتذر، فالطبع يغلب التطبع.

ــ عجبا تعتذر عن التزمير والتطبيل، ولا تعتذر عن لونك الرمادي المزعج، وعادتك السيئة في التسلق والتملق!
ــ كيف أعتذر عن التسلق والتملق، وهما صفتان أساسيتان في كل رمادي مثلي!

ــ هل تعني أنك ستظل على حالك الرمادي هذا، حتى بعد زوال عصر القذافي الأسود، وقدوم زمن فبراير الأبيض الشفاف؟
ــ ليس لي من حل، ذلك أن نزع جلدي الرمادي، واعتزالي التملق والتسلق بعد هذا العمر الطويل، يعني إقدامي على توبة لا يمكن تحققها إلا بالتكفير عما أذنبت، والتضحية بما كسبت، وقبل كل ذلك الندم عما اقترفت.

ــ ذلك خير لك وأفضل. لا سيما وأنك بلغت أشدك وبلغت الأربعين، لا بل ربما جاوزت الخمسين من عمرك، فضلا عن وضعك المادي الممتاز.
ــ هذا صحيح، ولكنك تعلم النفس البشرية وضعفها، وأنها في أحيان كثيرة  ينفع معها الردع أكثر من الوعظ.

ــ ماذا تقصد؟
ــ أقصد أن ما قامت به ثورة فبراير من تساهل مع الرماديين مثلي، وأحيانا حتى مع السود، واكتفائها بمجرد إسداء النصائح، لأمر مغر لي ولأمثالي على مزيد الاحتفاظ بهذا اللون الرمادي اللعين.

ــ عجبا. كيف تلعن نفسك؟
ــ بدأت أشعر بوخز الضمير.

ــ حقا. وماذا بعد؟
ــ سأتوب عن كل ما اقترفت، وسأقوم بكتابة صحيفة اعتراف، أظهر فيها لوني الرمادي كما هو، واضعه أمام من رشحوني من رجالات فبراير، وأترك لهم بعد ذلك قرار تثبيتي أو خلعي.

ــ هذا موقف تشكر عليه، وسيسجله التاريخ لك. ولكن ماذا عن الرماديين  الآخرين الذين لا يمتلكون شجاعة مواجهة أنفسهم مثلك، والاعتراف برماديتهم اللعينة، والتبرؤ منها وخلعها؟
 ــ لا أدري، ولكنني أدعوهم إلى أن يفعلوا الفعل الذي فعلت، فإما مَنٌّ بعد وإما قصاص.

ــ وماذا لو لم يفعلوا، وبقوا سوسا ينخر ثورة فبراير، كما نخروا من قبل ثورة سبتمبر؟
ــ عندها سأقترح على من يهمه الأمر، الأخذ بزمام المبادرة، والقيام برصد هذه الحالات، والتعامل معها على أنها سوس يجب محاربته، وتنظيف جسم فبراير الناصع النظيف منه.

ــ هذا عمل رائع، ولكنه سيبقى مجرد أمنية ما لم توضع له آلية لتطبيقه وتنفيذه.
ــ أنت محق، ولذلك أقترح القيام بإلزام كل من تولى منصبا أو وظيفة مرموقة في العهد الدكتاتوري المقيت، أن يملأ استبيانا يقوم ذوو الخبرة والدراية بتحريره، آخذين في اعتبارهم قيام هذا الاستبيان بكشف وتعرية الجذور الرمادية العميقة لكل من شملتهم القائمة الرمادية.

ــ وماذا بعد؟
ــ ليس هناك من بعد، سوى توبة نصوحا كتوبتي، أو لا، فليس للسوس من دواء، سوى إبعاده عن أساسات البناء. 

محمد الشيباني
Aa10zz100@yahoo.com

السبت، أكتوبر 08، 2011

أيها الثوار المنتصرون


أيها الثوار المنتصرون:
الحق هو الذي ثأر لكم من عدوكم،  فلا تخذلوا الحق فيثأر منكم

أمضى الطاغية القذافي كل الوقت الذي حكمنا فيه غامطا للحق، بل ومحاربا له، حتى ظن ضعاف الإيمان مثلي أن القذافي قد هزم الحق وصرعه، أو على أقل تقدير تهادنا الاثنان، الحق والطغيان، وتواطآ كلاهما ضدنا.

طال أمد ظهور الطغيان وسواده، وانحسار الحق وارتداده، وزاد تبعا لذلك إلحاحنا على استدعاء ما تبقى لدينا من زاد صبر قليل لرحلة طالت، حتى بلغ معين الصبر عند الكثيرين منا خطه الأحمر الذي زاده اشتعالا انقطاع موارد الصبر ومدده المحمول على ومضات الفرج الغائب، وبوارق الانتصار التي عقم رحم الأفق عن ولادتها السنين الطوال، وحتى وإن حدث وولد الأفق بعضا من هذه البوارق، فإنها في الغالب تولد خداج، ما تلبث أنت تضعف وتموت.

غصت ساحة الصراع غير المتكافئ بين الطغيان وضحاياه بالكثير من الصور المرعبة والمخيفة، إلا أن أكثر المشاهد رعبا كانت تلك التي ظهر فيها الحق بجلاله ووقاره منهزما منكسرا، وقد داسه قدم الطاغية بحذائه القذر الثقيل، على مرأى ومسمع الدنيا، وعلى مدى زمني اتسع لأكثر من جيل من المحكومين المسحوقين المغلوبين على أمرهم.

وعلى غير ما ميعاد، وفي لحظة زمنية بلغت من الخفة واللطف حدا جعلها تمر من خلال أشد آلات الرصد والتحليل دقة، حاملة على جناحها النحيل أثقل حدث وأخطره، ألا وهو حدث ثأر الحق من الظالم القذافي، لصالح الليبيين المظلومين.

ولأن الحق يحمل قسطاسه المستقيم أينما حل، وعلى أي صورة ظهر، فقد رأيناه وهو يثأر من ظالميه، يفرق بين ظالم وآخر، تبعا لدرجة ظلمه وتجبره. فقد رأينا الحق يصفع بقبضته كلا من الظالمين بن علي ومبارك صفعة خفيفة قادتهما بلطف ظاهر إلى حيث يجب أن يكونا، غير أن الحق وهو يلطم القذافي ثأرا لليبيين، قوى من لطمته له، وذلك على قدر ما اقترف من ظلم، وما ارتكب من جرائم، وبطريقة مختلفة تماما عما فعله مع من سبقه من حكام ظالمين مستبدين.

أصر الحق وهو يثأر من القذافي أن يقتلع القذافي الظالم ومن والاه اقتلاعا، بل إنه مارس ضده حرب إبادة عرقية وأيديولوجية، استهدفت شخصه وفكره ونسله، بل وحتى أنصاره ومريديه.

رأينا في ساحة الصراع بين القذافي والحق جنودا كثر يحاربون القذافي، منهم من يحمل شعار الجامعة العربية، وآخر يحمل شعار مجلس الأمن، وثالث يحمل شعار الناتو، ورابع يحمل شعار الثوار، بل ومنهم جنود خلص للقذافي ونظامه، إلا أن كل أولئك الجنود ما هم إلا جند الحق الذين استدعاهم الحق نفسه في الوقت الذي شاء والمكان الذي أراد، فلم يتخلف أو يتباطأ منهم أحد أبدا.

كل السيناريوات التي كتبت للمسرحية الليبية تم الخروج على نصها خروجا واضحا  صارخا. فمن ذا يتوقع من الجامعة العربية موقفا كالذي وقفته، ومن ذا يتوقع من الغرب وأمريكا أن تنسف في سويعات جبلا من العلاقات الوطيدة بينها وبين القذافي، ذلك الجبل من العلاقات الذي استغرق السنوات وربما العقود في إقامته ورص حجارته المتخالفة المتنافرة.

وحتى إذا سلمنا بعدم غرابة ذلك كله، وافترضنا جدلا إمكانية حدوثه، فلا يمكن لنا أن نتوقع من شعب مقموع ومحكوم بالحديد والنار، كالشعب الليبي، أن يخرج عن القذافي ويواجه رصاصه ومرتزقته بصدور عارية.

عندما يقرر الحق أن يثأر من أعدائه، تستنفر له جنود السماوات والأرض، وتتجمع بين يديه، وعندها يصعب على أكبر القوى وأعظمها أن تقف في طريقه أو تصده.



لم يثار لنا الحق وينصرنا على عدوه وعدونا محاباة لنا أو مجافاة للقذافي، ولكن الحق هزم القذافي الذي أمعن في مناصبته ومعاداته، وسيظل الحق واضعا مسطرته، شاهرا سيفه في وجه كل من تسول له نفسه العبث بالحق وحدوده.

ولمن يصعب عليه معرفة حدود الحق التي خرقها القذافي، والتي خرقها البعض منا أو يكاد، فما عليه إلا التلفت إلى الوراء قليلا وينظر في قائمة اقترافات القذافي وجنوده، ثم ينظر ما يقترفه البعض من ثوارنا منها، والتي منها ما يلي:

1 ــ قتل النفس إهمالا أو تعمدا.
2 ــ هتك العرض.
3 ــ سرقة أموال الغير سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أو اعتباريين.
4 ــ عدم التحرز والأكل بغير المعروف من مال الدولة الذي لا حارس له.
5 ــ إزعاج الناس وإرهابهم.
6 ــ اتهام الناس بالباطل وتخوينهم.
7 ــ التكبر والاستقواء بالعدد والعدة على حساب المبادئ والقيم والأصول.
8 ــ التهافت على المناصب ونيل المكاسب وانتهاب اكبر ما يمكن نهبه من الكعكة المغمورة في دماء الضحايا.
9 ــ التعصب للذات وأواصر الدم والقربى والقبيلة على حساب الوطن والوطنية.
10 ــ الاعتزاز بالإثم قليله وكثيره.
11 ــ التفاخر والتباهي بما أسبغ الله به علينا من نعمة نصر، وعدم التواضع ونحن نضع تاج حريتنا فوق رؤوسنا التي أعلاها الله تفضلا منه.
12 ــ استمرار بعض الثوار وخاصة الشباب منهم في ممارسة أخطائهم السابقة، وما درجوا عليه من أعمال سيئة، لا يمكن أن يظهر بها عاقل رشيد وهو يتسلم وسام النصر المهدى إليه من ربه الكريم.
13 ــ انطلاق الألسن والأقلام بالقدح والذم بغير ما بينة، والطعن في أهلية وذمة الآخرين لإلحاق الضرر بهم.
14 ــ المبالغة في الانتقاد لدرجة الاتهام، وترك التناصح النافع المحمود.

 كل ذلك، وربما غيره كثير بدأ يظهر في ساحة المعركة بعد انجلاء غبارها، وهو ما يتعارض، وبكل تأكيد، مع الحق وثوابته التي لا يمكن تجاهلها أو اللعب بها.

إن المثل الحي الذي رأيناه من ثأر الحق من الباطل، وكذا ما حل برجل اسمه القذافي كان يعبث بالحق وثوابته، لأمر يجب علينا أن نأخذه في الحسبان، لا سيما  ونحن نمر في هذه المرحلة الهامة والحساسة من مراحل حياة الدولة الليبية.

إن الثمن الذي دفعناه مقابل حريتنا ثمن باهظ، والنصر الذي صنعناه عظيم، ولكن كل هذا مرهون بقاؤه وديمومته بديمومة بقائنا محترزين حذرين من سيف سنن الحق ونواميسه التي وضعها رب الحق سبحانه وتعالى حماية للحق وأهله، وكبتا للباطل وعصبته.

محمد الشيباني
  
  

الثلاثاء، أكتوبر 04، 2011

وول ستريت الهيرة

 وول ستريت الهيرة، بها شركة استثمارات يتيمة ولكنها كبيرة!

"تكلم كي أعرفك"، عبارة يقولها كل من أراد استكناه مكنون شخص تعذر عليه فهمه، أما شركة في حجم الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية، فإن مكانها هناك في بيداء الهيرة، هو أطول وأبلغ  الألسنة التي تنطق بها هذه الشركة، وتعبر عن حالها البائس الشاذ.

لو نطقت هذه الشركة لكتبت شكواها بالدماء والدموع، وذلك لما عانته من انفصام مخيف بين اسمها وشكلها الملوح بالاستثمار، ِوواقعها البعيد جدا عن كل جدوى واستثمار، وهو واقع مرٌّ مخز يبدأ من سوء اختيار مكان المقر، وربما لا ينتهي عند سوء إدارة موارد الرجال، وعقم استثمار موارد الأصول والأموال.   

على مسافة وجوب قصر صلاة مُصلي، وربما الترخيص بإفطار صائم، يسافر كل يوم ما يزيد على المائتين من الموظفين لممارسة عملهم في مجال الاستثمار المالي الخارجي الصرف، والمتمثل، كما هو معروف، في ملكية وإدارة الشركات، والاستثمار في الأصول الثابتة والمنقولة، والمضاربة في البورصة، وغير ذلك من أنشطة مالية كثيرة.

تزاول الشركة عملها المالي هذا في منطقة شبه صحراوية لا علاقة لها البتة، وعلى الإطلاق، بأسهم أو سندات، أو دولارات، أو يوروات، أو مصارف، أو بورصات، أو شركات، أو فنادق، أو عقارات.

وكما يسافر البشر كل يوم إلى ذلك المكان النائي المقطوع، قاطعين ما يقارب المائتي كيلو متر ذهابا وإيابا، تسافر الأوراق كما يسافرون، وتقطع المسافات التي يقطعون، حيث تـُشحن ورقة صغيرة نحيلة لا يتجاوز وزنها بضع جرامات على سيارة خصوصية بسائقها، وربما بمرافق له وآخر يحرسهما، وذلك من أجل أن تسلم هذه الورقة إلى دائرة حكومية، أو مصرف، أو غيره من الجهات التي يتواجد كلها في مدينة طرابلس البعيدة، وبتكلفة تقديرية لا تقل بحال عن الخمسين دينارا للورقة الواحدة، وذلك كما قدرتها بعض الدراسات المحافظة جدا.

إن شركة على هذا الحال من سوء الإدارة الفاضح، سوف يصعب كثيرا عليها إقناع المستثمرين الخارجيين الضالعين في فنون الإدارة وحسن استثمار الموارد، بان يعقدوا معها الصفقات، أو يتبادلوا المصالح معها، ويبرموا الاتفاقيات .
   
لابد أن الجميع طرق سمعه ذات مرة اسم هذه الشركة العتيدة، الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية، والتي، وكما هو معروف، أوكل إليها منذ ما يقارب من الثلاثة عقود القيام باستثمار الفوائض المالية للدولة الليبية في مشاريع وشركات خارجية من أجل تحقيق الربح المادي، وكذا تحقيق بعض الأهداف المعنوية الأخرى من سياسية وغيرها.

في ظل درجة شفافية متدنية جدا كالتي كنا نعاني منها في زمن الطاغية القذافي، صعب على الكثير منا معرفة ما يهمه معرفته من شئون بلده، وطريقة إدارة أصولها، وخاصة تلك الأصول التي تدار بفلسفة هجين، سياسي اقتصادي. بل لم يتات للكثير منا مجرد الإلمام بهذه الاستثمارات، ومدى غلبة الشق المادي فيها على الشق السياسي، ذلك الشق الذي اتخذه الفاسدون السابقون مشجبا علقوا عليه أخطاءهم التي لا تحصى، وبوائقهم التي لا تعد.

كانت شركة الاستثمارات الخارجية، ولسنوات عديدة، هي الجهة المعنية بالاستثمار الخارجي، وتفرعت عنها شركة الاستثمارات الأفريقية، لتتخصص الأخيرة في المنطقة الجغرافية التي يُلوِّح بها اسمها، ثم ما لبث كل ذلك أن تحور هيكليا، واختلط نسيجيا، لتتشكل منه أجسام استثمارية عديدة، كان آخرها، وربما أكبرها، المؤسسة الليبية للاستثمار، اللاعب الاستثماري الأكبر، والمسئولة حاليا عن استثمار جزء لا بأس به من الفوائض المالية للدولة الليبية.

وعودة إلى الشركة الأم، الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية، فإنه مما يضحك ويبكي في ذات الوقت، هو ذلك العمل الكبير الذي قامت به الشركة منذ عام أو أكثر قليلا  من أجل محاولة إعادة هيكلتها، مستعينة بشركات استشارية عالمية، وبتكاليف مليونية، وبضجة مهرجانية قادها مديرها السابق، واستنفر لها فريق من الموظفين المحليين، والمستشارين الخارجيين، ليعقدوا دورات ولقاءات دولية مكثفة ومكلفة، هدفها المعلن إعادة هيكلة الشركة، وتحديث أداءها المالي والإداري. 

تدارس المجتمعون، وعلى مدار الأسابيع، وتباحثوا في كل شيء يتعلق بالجدوى، بدءا من ضرورة سواد اللسان الانجليزي بين موظفي الشركة، وانتهاء بأتمتة أنظمة الشركة وعولمتها، غير أنهم لم يتطرقوا من قريب أو بعيد إلى أمر المقر غير المجدي على الإطلاق!

إن شركة لا تجيد اتخاذ قرار اختيار المكان الملائم لممارسة نشاطها، هي أضعف من أن تقوم بإعادة هيكلة بنائها الإداري والوظيفي، وإن كل إصلاح أو إعادة هيكلة تقوم بها وهي تتجاهل هذه الحقيقة الدامغة والمأساة الناطقة " المقر "، بل فلسفة مكان المقر، هو إصلاح مشوه، لا يؤدي إلا إلى مزيد من الازدواج، بل والاختلال في المنظومة الواعية التي تسيِّر الشركة، تلك المنظومة القائمة أساسا على الوعي الجمعي لمديري الشركة وموظفيها.  

أيُّ استثمار مجد نلوح به، وأيُّ جدوى نتغنى بها، ونحن لا زلنا مكبلين ومقيدين بمجرد عبارة لا تتعدى بضع كلمات، أقحمت سفها وبدون أي مبرر، في قانون تأسيس الشركة، وهي العبارة التي نصت على أن مقر الشركة هو مدينة صناعة الفخار غريان، ومن بعد ذلك وول ستريت الهيرة.

وإزاء هذا الوضع المتأزم المستوجب للعلاج الجريء، وهو إسكان الشركة مكانها الطبيعي الملائم لها، أجريت العديد من محاولات الرجوع، إلا أنها، ولأسباب لا يعرفها أحد، باءت جميعها بالفشل، واصطدمت بتلك العبارة البائسة التي تضمنها قانون الشركة الأساسي المعدل.

وفي محاولة يائسة لستر عورة متخذي القرار السفهاء الأغرار، من سياسيين وإداريين الذين ارتكبوا جريمة نقل مقر الشركة، تفتق ذهن أحدهم بفكرة ظاهرها فيه الجدوى، وباطنها طافح بالبلاهة والمكر والغباء، متخذا من المنطقة الحرجة جدا الواقعة بين الحلال والحرام مكانا لفكرته الصحراوية الجافة، والتي اتخذت من بيداء الهيرة مكانا لمواراة سوءة أولئك المدراء والسياسيين العابثين.

قضت تلك الفكرة الآثمة المشئومة بتشييد بناء كبير، وبتكلفة مليونية، وذلك على الأمتار الأخيرة لحمى مدينة غريان، هناك عند قدم الجبل في الهيرة، حيث درجة الحرارة الاستثنائية عالميا، وحيث لا حجر ولا شجر ولا كائن من بشر، وما من سبب وجيه وراء هذا الإجراء العقيم سوى الخجل العذري لأولئك المدراء الجفاة الشداد، وعجزهم على تغيير نص ظالم تضمنه قانون تأسيس الشركة !!!!

لم يتجرأ أي من المدراء العمالقة الذين تعاقبوا على إدارة الشركة على المبادرة ورفع أصواتهم بعدم جدوى مقر الشركة، واكتفوا بمجرد در الرماد في العيون، بتشكيلهم من حين لآخر لجنة رفع ملام، لا يتعدى دورها مجرد رفع توصية خجولة بضرورة نقل المقر، ولا شيء غير ذلك.


قانون تأسيس الشركة ليس كتابا سماويا حتى نحل بموجبه إهدار وقت الشركة الثمين، ووقت مائتي موظف، وكذا إتلاف سيارات الشركة وسيارات موظفيها، بل وتعدى الأمر إلى ما هو أبشع من ذلك، إلى تعريض أرواح هؤلاء الموظفين لحوادث المرور القاتلة التي فتكت بالكثير، في رحلة المائتي كيلو متر اليومية المستمرة طوال العام، وعلى مدى السنين.    

لابد لنا، ونحن نلج مرحلة جديدة من تاريخنا قوامها الحرية والشفافية، ونفتح قلوبنا وحدودنا للعالم الواسع، أن ننظر إلى أوضاع مؤسساتنا وشركاتنا، والتي هي وحدها من تحدِّث عنا وتقدمنا للعالم الخارجي الذي نحتاج إليه في إبرام صفقة، وعقد معاهدة، أو إقامة تحالف، أو إنشاء روابط التعاون التي تبرم في ردهات النادي الدولي الكبير، ذلك النادي الذي لا يمكن لنا أن نحصل على مؤهل إحراز عضويته، والظفر بمقعد بارز فيه بدون إصلاح مؤسساتنا وشركاتنا والنهوض بها.

لا يمكن لنا اقتحام تلك النوادي الدولية وإحراز عضويتها، ونحن نقف مترددين، وأيدينا مرتعشة أمام عبارة واهية، احتواها قانون تأسيس الشركة، وهي عبارة يوقن الجميع ببطلانها، وعدم تمشيها مع أبسط قواعد الجدوى، وفنون إدارة استثمار الأصول.


ترى هل تفلح المحاولات المشكورة التي يقوم بها موظفو الشركة هذه الأيام في إقناع الإدارة الحالية في تطبيق أبسط قواعد الجدوى، وقيامها صراحة بالاعتذار عن أخطاء السابقين من مدرائها، والإقلاع عن سياسة النفاق الإداري التي أدمنتها الإدارات السابقة، والمسارعة في إزالة وصمة العار التي اقترفتها تلك الإدارة المشئومة التي اقترفت ذات يوم من أيام الدكتاتورية السوداء، وبدون مبرر يذكر، جريمة ارتكاب نقل مقر الشركة، وذلك قبل خمسة عشر عاما مضى.

ولمن لا يعلم فإن شركة الاستثمارات الخارجية كانت تقتسم البرج رقم 2 بمجمع ذات العماد، مع المصرف الخارجي، والذي شمله نفس القرار الدكتاتوري القاضي بنقل مقرات الشركات من طرابلس، غير أن ثقل عقل من كان يدير المصرف الخارجي حال دون نقل المصرف، أما شركة الاستثمارات الخارجية فقد سابق مديرها الخفيف الزمن كي يطير بها إلى غريان إذعانا لأوامر أسياده السفهاء! 

محمد الشيباني