السبت، ديسمبر 10، 2011

سنة أولى ديمقراطية "1"


سنة أولى ديمقراطية   ‘1’  
بدأ العام الديمقراطي  الليبي الأول، وتقاطر الليبيون بجميع أعمارهم ومستوياتهم على  المدرسة الديمقراطية المنشأة حديثا. وبرغم النقص الشديد في إمكانيات هذه المدرسة إلا أنه تم التغلب على ذلك، واكتمل عدد التلاميذ، وانتظم اليوم الدراسي الأول، ودخل المعلم بزيه الجديد المميز الفصل، حيث تبادل الحاضرون التحية، وأدوا النشيد الوطني.
كتب المعلم على السبورة الذكية، وبخط متألق كبير: مراجعة ما تمت دراسته.
 لم يقع هذا العنوان موقعا حسنا في نفوس التلاميذ، ونهض أحدهم، بعد أخذ الإذن، قائلا:
ــ ماذا تعني يا أستاذ بهذا العنوان؟
ــ نحن المعلمين نحرص على جسر الهوة بين كل مرحلة وأخرى، ولا يتأتى ذلك إلا بعد التأكد من أن الطالب قد استوعب كل الدروس السابقة.
ــ هل تعني بذلك ضرورة مراجعتنا لكل دروسنا الماضية الطويلة القاسية؟
ــ أجل.
ــ ذلك سيأخذ منا الكثير من الوقت، كما أنه سوف ينفرنا ويكسر خاطرنا لا سيما ونحن في مستهل السنة أولى ديمقراطية التي تأهلنا لها من بعد ما خضنا امتحانا شاقا وعسيرا ضد كل بائد قديم.
ــ  ذلك الامتحان الشاق الذي خاضه الشعب الليبي لم يكن سوى مرحلة إزالة العوائق وتمهيد الطريق الموصل إلى مرحلة الديمقراطية. أما خوض مرحلة الديمقراطية نفسها فهو بكل تأكيد أشق وأعسر، وأقل ما تتطلبه مرحلة الديمقراطية الجديدة هو القيام باستدعاء ملامح المرحلة الدكتاتورية البشعة والعمل على تنفير الناس منها وحثهم لإيجاد ملامح معاكسة لها، وذلك وفق عمل ممنهج يؤمن المحو الكامل لكل ملمح سيئ بشع وإبداله بملمح آخر جيد جميل.
وكما تعلمون، فإن ملامح ذلك العهد البشعة كثيرة ويجب أن نشترك جميعا، وبطريقة ديمقراطية من أجل تحديد واستدعاء تلك الملامح السيئة، وجعلها عناصر درس هذا اليوم الأول.

رفع الكثير أيديهم بغرض المشاركة في تحديد أجندة أول يوم دراسي، وتم الاتفاق على أن أهم وأعظم سمات تلك المرحلة وحجر أساسها هو ملمح الحاكم المستبد.
 وباتفاق الجميع على أن الحاكم المستبد هو أهم ملامح المرحلة الدكتاتورية، طلب المعلم من التلاميذ الشروع في الخطوة الثانية من الدرس، ألا وهي تحديد ملامح الحاكم المستبد.
لم يجد الحضور صعوبة تذكر في تحديد هذه الملامح، حيث تم تعداد الكثير منها، كما يلي:
1 ــ التآمر على سلطة شرعية قائمة.
2 ــ التفرد بالقرار وإقصاء الآخر.
3 ــ ممارسة العنف ضد المعارضين.
4 ــ الاستخفاف  بالقوانين وتجاهلها.
5 ــ إهدار الأنفس والأموال.
6 ــ منع حرية التعبير.
7 ــ الإفساد.
8 ــ سوء الإدارة وانعدام الشفافية.
9 ــ  الشخصنة والعصبية والقبلية وحكم العائلة.
10 ــ تقديس الحاكم وتيئيس الناس من إمكانية التغيير.    
11ـ تهوين المبادئ والمثل، وتسفيه الداعين لها.
................
...............
...............
هذا يكفي. قال المعلم، ثم استطرد قائلا: ما ذكرتموه كله صحيح، إلا أن الملمح الذي يهمنا من حقبة الاستبداد وفي هذه الآونة بالخصوص الفاتحة للفصل الدراسي الأول من السنة الديمقراطية الأولى، هو تلك العلة المتمثلة في الهيام المرضي بكرسي السلطة، والذي عانى منه حاكمنا المستبد السابق ومقربوه وأبناؤه حتى وصل بهم الحال إلى بذل أنفسهم في سبيل إشباع هذه النزوة المخجلة!
تعجب الطلبة من ذلك، وسألوا المعلم عن سبب تركيزه على هذا الجانب بالذات، ولاحظ المعلم تعجبهم؛ فسارع بتبرير ذلك بقوله:
إن ما نلاحظه هذه الآونة من تكالب على مواقع السلطة وهيام مرضي بها يعني رسوبنا في أول امتحان تطبيقي جاد بعد انتهاء مرحلة الثورة وبداية مرحلة بناء الدولة، وسوف لن نحقق أي نجاح في أي امتحان من امتحانات الديمقراطية القادمة ما لم نتغلب على هذه العقبة الكؤود، عقبة الحب الغريزي الساذج لكرسي السلطة، ولدرجة خروج البعض منا عن طوره والتضحية من أجل الكرسي بوقاره، وربما بأخلاقه ودينه!
ساد المكان الصمت، وأخذ الجميع يتبادلون نظرات التوجس من تلبسهم بشبهة حب السلطة  الغريزي الساذج، ولم يكسر ذلك الصمت سوى صوت المعلم محاولا تكييف شبهة التعلق الغريزي الساذج بالسلطة مدونا مظاهرها على السبورة الذكية تحت عنوان "مظاهر التعلق المرضي بكرسي السلطة":
1 ــ استغلال البعض لتلك المرحلة الحرجة التي  تشكل فيها المجلس الانتقالي، وقيامه بقذف بنفسه في غرفة القيادة وذلك رغم اصطباغه باللون الرمادي البارز، بل إن بعض هؤلاء المنقذفين كان من المتنفذين في المرحلة البائدة.
2 ــ لباس البعض ثوب الثوار والتكلم بكلامهم ورفع شعاراتهم وحمل أسلحتهم، حتى ليخيل لمن يراهم أن القذافي لا زال متحصنا في باب العزيزية، وأن كتائبه لا زالت تخوض المعارك في كل مكان. وليس هناك من غاية ظاهرة من وراء ذلك لدى هؤلاء سوى جني الفوائد المادية والمعنوية المشروعة وغير المشروعة متخذين من إظهار سلطتهم وسيلة لذلك.
3 ــ اعتلاء البعض للمنابر الإعلامية المختلفة، والتكلف في إظهار نفسه أو قبيلته، وملوحا بأحقيته المقدسة في منصب من المناصب أو وزارة من الوزارات، بل وصل الحال ببعضهم إلى حد فرض نفسه بقوة السلاح.
4 ــ بدل أن تعلو مسحة الحزن واستشعار جسامة المسئولية وجوه من يكلفون بمسؤوليات كبيرة، لاحظنا علامات السرور وتبادل التهاني على بعض تلك الوجوه بما يشي بشعور هؤلاء بالرضا والثقة المفرطة في أنفسهم على الوفاء بمتطلبات الوظيفة.
5 ــ  تلاشت وبشكل سريع مظاهر رقة النفوس وتضرعها وتواضعها التي سادت مرحلة الثورة القريبة العهد منا، وحلت محلها العربدة والتفاخر والتعالي الفج وإظهار القوة عن طريق إبراز السلاح خفيفه وثقيله، بمناسبة وبدون مناسبة.
فجأة انطلقت من السبورة الذكية أصوات صاخبة، وظهرت عليها عبارات تحذير حادة تفيد بانتهاء اليوم الدراسي الأول من السنة الأولى ديمقراطية، ملوحة بنتيجة مفادها: رسوب معظم الحاضرين.
محمد الشيباني
Aa10zz100@yahoo.com



ليست هناك تعليقات: