السبت، مارس 17، 2012

سنة أولى ديمقراطية"27"



مساكين الليبيون؛ من بنج الدكتاتورية، إلى فياجرا الديمقراطية

وضعت اللوحة الذكية لفصل سنة أولى ديمقراطية الرقم المسلسل 27 على الدرس المعنون بالعنوان عاليه، وهو عنوان فاجأ التلاميذ الثوار، وذلك لما تضمنه من عبارات ذات مدلولات جريئة مقتحمة لامست نخاع الحقيقة الذي حال جداره المتكلس الغليظ دون تواصله وإحساسه بما حوله من حقائق صارخة صادمة، وأحداث عظيمة جسيمة.

استثمر المدرس حالة الصمت والذهول التي اعترت الحاضرين، واتخذها جسرا لنقل جبل الحقائق المرة الذي تئن بثقله كلمات العنوان، متخللا بهذا الجبل العملاق المسافة الدقيقة الفاصلة بين حالة البنج العميق للدكتاتورية المزمنة، وحالة التغلغل المفاجئ لجرعات فياجرا الديمقراطية التي سببت كل نوبات النشاط والهيجان المنفلت المعربد.


لا وصف يمكن أن يوصف به حالنا، نحن الليبيين، عندما كنا نغط في سباتنا العميق، ولعقود طوال، تحت كلكل أحد أكبر مجرمي العصر وأشدهم دموية، معمر القذافي، أدق وأبلغ من وصفنا بأننا تحت تأثير جرعة بنج مفرطة، حيث أفقدت هذه الجرعة قدرة الكثير منا على مجرد التحكم في جوارحهم، فضلا عن الاتصال بوعيهم والارتباط بعقولهم.

كانت أول آثار جرعات بنج الدكتاتورية، هي تلك التي خرجنا على إثرها نرقص ونصفق لشخص مجهول الهوية، كان قد سيطر للتو على الإذاعة، وألقى منها بيانا مقتضبا، نعى فيه نظاما دستوريا قائما، واستبدله بنظام آخر مريب المنشأ والنسب!

ثم تتالت جرعات شل ذواتنا وتنويمها، حتى وصل بنا الحال إلى إقدام بعضنا على قتل البعض الآخر، وتعذيب بعضنا بعضا، ناهيك عن استحلالنا المال الحرام خاصه وعامه!


من أعجب مظاهر هذا البنج الفظيع هو قيامه بعمليتين متناقضتين في آن؛ ففي الوقت الذي يقوم فيه هذا البنج بشل الحركة الإيجابية لضحيته، تراه يورم وينفخ في ذات الضحية ، محلقا بها بعيدا في آفاق التصاعد الوهمي.

ومن سحيق عمق بنج الدكتاتورية أيقظتنا، وعلى حين غرة، طرقات الديمقراطية الصاخبة المدوية، وهزنا زلزالها المزمجر الشديد، وبدا الكثير منا وهم يأخذون النفس الأول من أنفاس الديمقراطية التي لا عهد لهم بها، كمن تعاطى ولأول مرة جرعة زائدة من منشط الفياجرا المسيل لهرمونات النشاط الصاخب والهيجان المعربد، والذي لا هدف أمامه، ولا ضابط ينظم قوته ويقوم مساره.

سمعت كما سمع الكثيرون عن حالات شطط ديمقراطي موغلة في التطرف والانفلات، كما شاهدت بأم عيني حالات أخرى بسيطة ولكنها تصلح لإيرادها كمثل من أمثلة الشطط الديمقراطي الفياجري الأهوج.

رأيت بعض الذين ارتدوا رداء الثورة والثوار، وقد عمدوا إلى لوحات سياراتهم فنزعوها، وأحلوا محلها شعارا من الشعارات الثورية السائدة. ورأيت آخرين وقد وضعوا مسدساتهم في مكان ظاهر من خواصرهم، وآخرين وضعوا هذه المسدسات في مكان بارز في سياراتهم. كما بات من المألوف قيام الكثير من المواطنين المبتهجين بتحقيق حلم دولة النظام والقانون، يعمدون إلى خطوط التنظيم العمراني فيزيحونها، ويقومون وبكل جرأة بالبناء في ردود الطرق، ويستولون على الفضاء العام، وكثير غير ذلك.

أما إطلاق الألسنة، وإسالة المداد بالمقبول وغير المقبول من كلمات، فهو مظهر خطير آخر من مظاهر الجرعة الزائدة من فياجرا الديمقراطية.

ولعل أحدث أنواع هذا الشطط الديمقراطي الفياجري وأعنفها، هو تجمع فئة قليلة من المواطنين، وتجرؤهم على إعلان تغيير جسيم في البنية السياسية لكيان الوطن، واصفين ذلك بأنه مجرد تقنية من تقنيات الحكم والإدارة ليس إلا.
  
شعر المدرس بأن حالة الذهول التي ظهرت على الطلبة في بداية الحصة لا زالت قائمة، ورأى من المتوجب عليه كسر رتابة الدرس، وتغيير إيقاع فقراته، فأعطى الطلبة استراحة قصيرة، ثم استأنف الدرس قائلا:

كل من عرف القذافي كان يصفه بأنه دكتاتور محظوظ، وذلك لما حظي به من الشعب الليبي من مجاراة وانصياع له، وهو أمر دفع بالكثير من الناس إلى الاعتقاد باستحالة قيام الليبيين بمجرد إظهار التململ من تصرفات الدكتاتور، فضلا عن الثورة عليه، وإزالته من على خارطة الوجود المعنوي والمادي.

الثورة على الظلم واقتلاع الظالمين عمل نبيل عظيم، والتضحية من أجل ذلك حتى الموت شهادة لا تضاهيها شهادة، فطوبى للشهداء!

لا يوجد أدنى شك في أن حالة تضحية حي بروحه سواء كان في حالة اشتباك مع خصمه الظالم، أو مقتولا من قبله غيلة وغدرا، لهي من أعظم حالات البراءة، وأسمى مراتب نيل الحجة أمام خصم يبدو متلبسا بأعظم وزر وأشنع جريمة، كتلك التي تلبس بها القذافي وأعوانه، ألا وهي جريمة إجبار الناس على الاختيار بين فقدان حريتهم وكرامتهم، أو التضحية بمهجهم وأرواحهم!

تخيلوا معي شهيدا كأحمد الغرياني، بلال ليبيا، وقد اجتاز بنجاح فائق امتحان التمييز بين الحق والباطل، ووضع وبدون تردد أغلى ما يملك، إحقاقا للحق وتكريسا للعدل، وبعد أن رأى هذا الشهيد ما منحه الله من جوائز، وما غمره به من رضا، يقوم الآن، وينظر إلى حال الكثيرين منا وقد أنستهم نشوة اللحظة العابرة الحقيقة القارة التي من أجلها سالت أنهار الدماء، وانتظمت قوافل الشهداء، وبناء عليها تم إبرام صفقة البيع والشراء، وهذه الحقيقة هي إحقاق الحق، وإقامة العدل.

أجل فلو قُدِّر لأحمد، أو لأي من شهدائنا الأبرار، بعد أن مرَّ بحالة التسامي والتجلي وملامسة درجة الشهادة تلك أن يعود إلينا، ويمشي في شوارعنا، لكان حاله مختلفا أشد الاختلاف عن حال الكثير من ثوارنا، أو أشباه ثوارنا، بعد تناولهم جرعة مفرطة من فياجرا الديمقراطية.

لماذا؟

لأن الشهيد أذاقته حالة إبرام صفقة الشهادة طعم الحق، وقرت عيناه بنور العدل، فألبسه ذلك ثوب التواضع لرب الحق والعدل الذي هداه إلى ذلك الطريق، ورفعه إلى ذلك المقام.

هل يفتقر الكثير من الليبيين المستيقظين للتو من أعمق نوبات البنج الدكتاتوري، والمجنحين على الفور في آفاق الديمقراطية، وبعد أن أنعم الله عليهم بنعمة الحق والعدل، ومنحهم كرامتهم المستلبة، وحريتهم المغتصبة السنين الطوال، إلى ذلك الثوب المنسوج من خصائل التواضع للحق،  والإذعان لمسطرة العدل، والخضوع لصوت القانون والنظام؟

الجواب، وبكل أسف: أجل يفتقرون!

وليس من سبب وراء ذلك سوى ذلك الشعور المرضي لدى الكثيرين منا، والذي يوهمنا بأن الحرية معناها الانفلات، وأن الديمقراطية معناها الانطلاق، وأن العدل لا يعدو عن كونه جسما يتمدد وينكمش ساعة نريد، وبقدر ما نذيب في دمائنا وأذهاننا من مركبات الفياجرا المادية والمعنوية.

لا يمكن لأي إنسان أن ينكر جميل الحق الذي رأيناه يحارب معنا، أو يغمط من شأن العدل الذي استل سيفه البتار فقطع به عنق ظالمنا، إلا إذا لم يزل هذا الإنسان عالقا في بنج الدكتاتورية، أو أنه تناول وبإفراط فياجرا الديمقراطية، فحلقت به بعيدا في أفق لا نهاية له.

القذافي أبرز من أجريت عليه تجربة الجرعة الزائدة من فياجرا الحرية المطلقة، فملأه ذلك اعتدادا مفرطا بالنفس، وشحنه بسخرية زائدة بالثوابت والقيم والأصول، فأمضى عمره كله، وسخر إمكانيات بلد بكامله من أجل لي ذراع الحق المستقيم ليصير معوجا، وكذا العبث بقوام العدل ليضحى مهلهلا مرتجا.

في أحد مراحل هذه التجربة تهيأ للقذافي، وللكثير من قاصري النظر من حوله، أن ما يبدو عليه الحق من مرونة، وما يتصف به العدل من سعة وأريحية، ما هو إلا علامة علي تميع الحق، ودليل على هشاشة العدل.

كلا، ففي اليوم الذي أخذ الحق والعدل بثأره من  القذافي، رأينا أهل الأرض والسماء يملؤهم جلال مشهد الحق الغاضب، ورهيب مظهر العدل الثائر، ورأينا شدة انقضاض كلاهما على من استخف بهما وأمن مكرهما، حيث جعلا منه عبرة للمعتبرين ودرسا للمتأملين.

عاصرت مراحل نمو الوحش الدكتاتوري القذافي منذ نعومة أظفاره حتى بلوغه العنفوان، ثم شاهدت ما آل إليه من ترد وهوان، وها أنا ذا أشاهد ولادة الجسم الديمقراطي، وما تعانيه عظامه الهشة من ضربات، وما يتعرض له قوامه الرخو من هزات والتواءات.

كنت كلما رأيت ثوريا أهوج من ثوريينا البائدين، وقد أخذته العزة بالإثم، وملأه الشعور الكاذب بأنه فوق القانون، وإلى جانبه أشلاء ضحاياه من مواد شرعية وقانونية محطمة،  وأعراف ومبادئ إنسانية واجتماعية مهدرة، لا يزيدني فعله هذا إلا شعورا بحتمية انكساره وسقوطه.

وبالفعل تساقط أولئك الثوريون الهائجون الحمقى واحدا تلو الآخر، وشهد بعضهم المآلات السوداء البائسة للبعض الآخر. وما منع اتعاظ بعضهم بالبعض الآخر إلا مركب فياجرا الانفلات الذي أدمنوه، والذي صنع حاجزا حول خلاياهم الراشدة، مانعا المضادات الحيوية المكونة من مركبات العظة والاعتبار من تخلل تلك الخلايا وتحريرها من سلاسل وأغلال الاعتزاز بالإثم، والتفاخر بالمنكر، فتراكم الجرم فوق الجرم، وغدا الركام الهائل جبلا من ظلم، هز الأرض الكبيرة، في يوم سقوط هبل الأكبر.

ربما للمرة الأولى في التاريخ، يقوم حاكم دكتاتور بوصف رعيته المنتفضة بسبب ظلمه، بأنها تعاني من لوثة عقلية، سببتها لها مواد دخيلة على أجسامها، فأذهبت عقلها، وحادت بها عن رشدها!

كاد المريب أن يقول خذوني، وكاد القذافي أن يعترف باستخدامه هو نفسه عقاقير معنوية أو مادية، جعلت منه دكتاتورا منفصلا عن واقعه، مجنحا في فضاء كبره وغروره. ومن يدري فربما ألقمنا القذافي أقراصا أخرى معاكسة لتلك التي أدمنها هو، فأرغمتنا تلك الأقراص على النوم العميق بين أنياب وحش لا يتردد في تهشيم عظامنا متى شاء.

ألا يمكن لهذا الاتهام الغريب العجيب الذي ساءنا ساعة إطلاقه علينا أن يتضمن إشارات خفية تفيدنا في فهم ما نحن فيه من توابع ومخلفات الحقبة البائدة، فندرك وبروح رياضية عالية أننا لا زلنا في دائرة احتمال الإصابة بأمراض خطيرة تسببها المؤثرات العقلية الكثيرة، والتي بعضها مادي كتلك التي لوح بها القذافي، أو معنوي من مثل فياجرا الديمقراطية التي أكدت أعراضها الملموسة تفشيها بيننا، وعلى نطاق واسع مخيف.   

البنج الدكتاتوري، والفياجرا الديمقراطية، وبرغم ما يبدو عليهما من تناقض ظاهر، إلا أن الضرر الذي يلحقه أحدهما بالمجتمع، يساوي نفس الضرر الذي يأتي به الآخر. ذلك أن كلا العلتين، البنج والفياجرا، يستهدفان مركز أعصاب الجسم، وغرف تحكمه، ومفاصل الإرادة فيه.  

البنج والفياجرا كلاهما وسيط مثالي لاستضافة الفيروسات العابثة بالمجتمع، بدءا من فيروسات الفساد الاقتصادي والسياسي، وانتهاء بتفريخ الدكتاتوريين بمختلف ألوانهم وأحجامهم.

Aa10zz100@yahoo.com                    


ليست هناك تعليقات: