الاثنين، أبريل 01، 2013

سيدي الأندلسي



"سيدي الأندلسي"، و"سيدي فرج"، يربط بينهما خيط رفيع، ولكنه فظيع!

هما مكانان ربط بينهما مؤخرا خيط رفيع ولكنه فظيع؛ فسيدي الأندلسي هو صاحب الضريح المعروف في الضاحية الشرقية لطرابلس؛ تاجوراء، والذي تم نسفه على حين غفلة من أهل تاجوراء فجر السبت الماضي. أما سيدي فرج فتنسب إليه منطقة من مناطق مدينة بنغازي على طريق مطار "بنينة"، والتي عندها وقعت حادثة اختطاف واغتصاب عضوات قافلة إغاثة ونصرة غزة.

الفاصل الجغرافي بين المكانين كبير جدا بكبر مسافة الألف كيلومتر،  وكذا المسافة بين طبيعة ما حدث فيهما هي الأخرى طويلة ممتدة.

الأندلسي وكما يشير إليه اسمه هو من بلاد الأندلس، وربما كان من ضحايا سقوطها، وأحد أولئك المهجرين منها، ليستقر به المقام منذ ما يزيد على الخمسمائة عام بتاجوراء حيث يوجد ضريحه على ربوة عالية تطل على البحر ووسط أضرحة سكان تلك المنطقة بما يشي بتعظيمه وتشريفه من جانبهم.


لابد ان هناك علاقة اجتماعية وعاطفية ما فيما بين الأندلسي وأهل تاجوراء، وإلا لما لبث ذلك المهاجر مئات السنين محط تقدير وتبجيل أصحاب تلك الأرض وسكانها.

وأيا كان هدف من قام بالتفجير وما يحمله من مبررات ومسوغات  فعلته، إلا أنه لابد أن يكون على علم بهذه العلاقة التاريخية الخاصة بين الضيف ومضيفيه، والتي لا سبيل لطمسها وقطعها في يوم وليلة، ودونما إقناع وتهيئة ثقافية ونفسية.

نما إلى سمعي أن أهل تاجوراء بعد علمهم بما حدث لضريح" الشعاب" من تفجير، قاموا بإجراءات احترازية لحماية ضريح الأندلسي، وحذروا من أن يلحق به ما لحق بالشعاب، وربما اتصلوا شخصيا بمن تحوم عليهم شبهة الاستعداد لتهديم الضريح، وسلموهم رسالتهم لهم باليد.

إن مجرد علم من فجر الضريح بعدم رضا الكثيرين من أهل تاجوراء بذلك، ثم إصراره على التحدي الرخيص والقيام بعمل محفوف بالمخاطر جالب للمهالك، سواء ساعة التفجير لمظنة وجود حراس يحرسون الضريح، أو بعد التفجير عندما يغطي غبار رميم الأندلسي سماء تاجوراء صانعا غيمة من ثأر وحقد، وربما بركة من دماء، إن كل ذلك وغيره لمما يجبرنا على طرح ألف سؤال وسؤال!

أول هذه الأسئلة وأهمها هو:

لماذا فعل المفجر فعلته؟

أجابت على ذلك دار الافتاء، فقالت: بأن ذلك تكلف وتطرف، وهو نصرة لشيوخ وليس نصرة لدين!

أجل إن ما حدث للأندلسي حدث مثله للشعاب والأسمر وغيرهما، وهو فعل  يصعب تفسيره دون الاستعانة بأدوات التحليل النفسي لأولئك الشباب الذين قاموا بعمل دموي أفتت دار الافتاء بعدم شرعيته، سيما في ظروف كهذه الظروف.

في سيدي فرج اقترف شباب آخرون جريمة تناقض الجريمة السابقة موضوعيا، ولكنها تشابهها فيما عليه حال مرتكبيها من عناد وتهور وتجاهل لمشاعر الناس من حولهم، وكذا لما أحدثته جريمتهم في الوسط الاجتماعي حولها من شروخ.


إن الخيط الذي أحاول مده فيما بين ظاهرة الإلحاح على تفجير الأضرحة، وظاهرة ممارسة العربدة في الشوارع حد الاختطاف والاغتصاب، لهو خيط قوامه التجاهل الفاضح لمشاعر الناس ووجدانياتهم، وكذا تعمد إرباك الدولة ومؤسساتها، وهو خيط وإن بدا واهنا رفيعا، إلا أنه في غاية الأهمية والخطورة. ذلك أنه لا فرق بين ملعقة سكر يُعطاها مريض سكر فتقتله، أو لقمه ملعقة سم تفعل فيه فعل سابقتها الحلوة اللذيذة، وذلك رغم الاختلاف البين بينهما!   

إن الخيط الذي يربط بين هذين الفعلين السيئين منشؤه تلك الصفة الرابطة بين الفريقين؛ هادمي الأضرحة عنوة واقتحاما، ومعربدي الشوارع اختطافا واغتصابا، وهي صفة يظهر فيها بوضوح انعدام الشعور لدى هؤلاء بكرامة الآخر وتجاهل اقتناعه بما يفرضون عليه من أفكار، وبما يمارسون باسمه من أفعال.

ذلك هو الاستبداد، وتلك هي الدكتاتورية.

حقا لا زلت بيننا أيها القائد تهدم وتخطف!   

محمد عبد الله الشيباني
Aa10zz100@yahoo.com

إرسال تعليق