الاثنين، يونيو 18، 2012

احذروا أيها الثوار



"احذروا أيها الثوار، فغنائم ساحة الانتصار، أخطر من ألغام ساحة البارود والنار"


عبارةٌ كان من المتعين على حكماء الثورة، كتابتها بحروف بارزة حمراء متوهجة في مدخل كل مدينة من المدن التي دخلها الثوار منتصرين. ذلك أن القليل من الثوار الحقيقيين، والكثير من تجار الثورة، انخرطوا، وبنهم مخز مخجل، في تجميع غنائم، ما لبثت أن تحولت إلى ألغام انفجرت في أيديهم، فألحقت أشد الأذى بهم وبمن حولهم، بل وأضرت بالثورة ذاتها!



بعض الحكماء العابرين أحد شوارع الثورة، يرى انه لم يفت الأوان على النصح والتبيان، فكتب العبارة التالية:



" الآلاف من الثوار للتو دفعوا أرواحهم.
آلاف آخرون يلتقطون بعض الأشياء الرخيصة.
عجبا. كيف يستبدلون الغالي الثمين، بالرخيص المهين؟! "



حكيم آخر، يردد:



" الغنائم هزائم مغلفة"



شاب ثائر بالجوار يحمل سلاحا، اعتبر العبارات السابقة تهما موجهة له؛ فرد قائلا: نحن لم نحتفظ بأية غنائم معنوية أو مادية، نحن فقط احتفظنا بما غنمناه من سلاح؛ لم نشرب منه، ولم نأكل!



فبادره حكيم ثالث بالعبارة التالية:



"احتفاظك بسلاحك في بيتك،
فقدان لثقة مَن هم حولك،
ومن فقدت ثقته،
خسرت أخوَّته، وكسبت عداوته "



رجل خمسيني وسجين رأي سابق، سمع الحوارات، فقال: نحن لم نمد أيدينا إلى أية غنيمة، نحن فقط طلبنا حقنا في التعويض، عن عقاب ظالم طويل عريض؛ فرد عليه حكيم آخر:



"التعويض أحد عناصر قائمة الحقوق الكثيرة للمواطن المظلوم، ولكن الاستعجال والإلحاح في تحصيل التعويض ليس أول الواجبات الكثيرة لهذا المواطن"



ردّ سجين الرأي السابق: نحسب أننا بادرنا بعمل أكثر الواجبات الوطنية أهمية وخطورة، ولا بأس من لمسة وفاء!



حكيم آخر يردد:


" مخزون الوطنية والتدين والنزاهة، وصل خطه الأحمر، وذلك لشدة السحب عليه، وما لم نقم على الفور باستيراد كميات كبيرة من الوطنية والتدين والنزاهة، يصعب علينا تشكيل المجلس الوطني، وكذا الحكومة القادمة. بل وربما صعب علينا تفريخ ثوار جدد"


رد عليه مسئول كبير بارز: إن تقلدنا للمناصب لم يكن مغنما، وإنما هو ضرورة اللحظة التي لا تسلم من هفوة.



إحدى الجرائد المحلية، أبرزت المانشيتات التالية:



ــ رجل مرور يقف عند مدخل طريق، ويقول محذرا: انتبهوا! الطريق خالية من الحفر.
ــ أخصائية اجتماعية بمدرسة، تحذر من الاحتباس والاحتقان الهضمي لدى الكثير من الطلبة، وتبحث عن السبب.
ــ شركات تصنيع سيارات الإطفاء العالمية، تفاجئ بطلبات ليبية لشراء سيارات إطفاء حرائق غير معروفة لتلك الشركات.
ــ إقبال طلبة الطب الليبيين على التخصص النفسي فاجأ الكليات المحلية والدولية، وأجبرها على تقليص التخصصات الأخرى لتلبية التخصص النفسي.
ــ شركات طيران دولية تجري تغييرات جوهرية على مقصورة الركاب في طائراتها، وتستبدل الكراسي بأسرة طبية، لتنال نصيبها من كعكة السياحة الصحية الليبية الواعدة.
ــ طوفان عمالة خارجية يدق أبواب البلاد، وعمالة وطنية تبيع الكساد.


حكيم يصيح من بعيد: عجبا! هزائم كثيرة، ومغانم غزيرة. شيء لا يعقل.

..........................
...............................
................................................



إن ألبسة الخوف والجوع والريبة والتوجس والانهزامية والشك والحذر المرضي المفرط، هي ألبسة دأب حاكمنا السابق على إلباسنا إياها السنين الطوال، وهذه الألبسة بما تركته في الأنفس من أثر سيء خفي، وبما أظهرته على الملامح من تشوهات ظاهرة وسلوك رديء، هي التي وراء ذلك التعجل والتزاحم على الغنائم المادية والمعنوية.



تلك الألبسة البائسة نفسها هي التي جعلت من بعض الثوار،  والكثير من أشباه الثوار يتزاحمون ويتدافعون، وأحيانا يتقاتلون على ما يبدو لهم مغنما، ولم يكن في حقيقته إلا لغما ومغرما.



إكرام الليبيين وتعويضهم وإشباعهم معنويا وماديا، هو الهدف المتربع في صدارة قائمة الأهداف التي من أجلها قامت الثورة ضد الغبن والجوع والظلم والحرمان، وهو هدف لم يكن ليتحقق لولا أن تقدم رجال كانوا منذ وقت قصير بيننا، وبادروا بجرأة مشهودة بتسديد الفاتورة الحمراء الباهظة التكاليف، ولم يأخذوا ما مقداره حبة من خردل مما نتزاحم عليه بتلمظ وتحرق وجرأة، ونلتهمه بنهم ورغبة وكثرة.



الإقبال الجريء والنهم المخجل على التهام كل ما تصل إليه اليد من سلاح ومنصب ومال، وذلك التظاهر المسرف بما ينسبه البعض لنفسه ولقبيلته من مجد وفخار، وتلك المبالغة في تكديس النزاهة والوطنية من قبل بعض الناس على ذواتهم، مما تسبب في اختفاء سلعة النزاهة والوطنية بكاملها من السوق، ولدرجة أن الكثير منا ممن استيقظوا متأخرين، ولم يصلوا إلى السوق مبكرين، وهم ليسوا بالقليلين، لم يجدوا فتاتا من نزاهة، أو مزقة من وطنية، ولو في حجم منديل يلوحون به، ويقولون: نحن هنا. نحن ليبيون. نحن وطنيون!



حكيم من بعيد يلوح بورقة مكتوب عليها:


"كفانا اتكاء على نظرية المؤامرة، وصنع مشاجب من عظام الأموات"



بعد صمت طويل، قال حكيم عليم:



عمل شنيع أن تأكل القطةُ صغارَها!
أما الأشنع أن يأكل القطةَ صغارُها!
الشناعة بعينها أن يأكل الثوار ثورتهم!    


 محمد عبد الله الشيباني
مدونة ربيع ليبيا

إرسال تعليق