الجمعة، أكتوبر 18، 2013

مثلث برمودا ليبيا

ليبيا فوق مثلث برمودا: الكوبيا، والفوبيا، والكيمياء! فهل من منقذ؟  

عذرا، فقد تعدت كلمات هذه المقالة الألفين وثمانمائة كلمة بحسب حاسبة وورد، فصبرٌ جميل!

الكوبيا، والفوبيا، والكيمياء، هي أضلاع مثلث يطوق ليبيا الآن، وهي أضلاع كما تشي به أسماؤها، مشحونة نشازا وخوفا وصراعا، ولا يمكنها وحالها هذه أن تصنع مثلثا، إلا مثلثا بمواصفات مثلث برمودا المعروف، حيث ضبابية ولغز السطح، وتوتر واضطرام وعدوانية الأعماق، تماما كما هو عليه حال ليبيا الآن، حيث السطح  المتعكر، والعمق المظلم المتوتر!

1 ــ كوبيا

أكبر وأخطر الأضلاع الجهنمية لهذا المثلث البرمودي، مكتوب عليه كلمة "كوبيا"، وهي كلمة ربما استعارها الليبيون من القاموس الإيطالي الذي لا زالت بعض كلماته تزاحم الكلمات العربية في لهجة الليبيين، والتي تعني فيها كلمة كوبيا العدد المحدود من الأفراد الذين تجمعهم أهداف مشتركة  يقتصر مردودها عليهم دون غيرهم.

المجموعات، أو الكوبيات بأنواعها الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية المختلفة، تمثل أبرز تضاريس لوحة المجتمع الليبي التي هي الآن في أبشع أشكال تشظيها واختلافها وتناقضها، بما تحويه من جزر متناثرة تسكنها قبائل سياسية، وأحزاب قبلية، وتشكيلات عسكرية، وحتى روابط، وجمعيات، وغير ذلك من أجسام الطفرة و"الطهقة" ذات الطلاءات والشعارات الثورية التي تولدت عن الثورة أو الفورة، وتشكلت على عجل على حواف التشققات العميقة التي أحدثها زلزال الحرب الأخيرة بين الحاكم ومواطنيه، وهي الحرب التي استنفذ فيها ذلك الحاكم قبل سقوطه كل حيله الشيطانية في جعل ليبيا من بعده جبلا من شظايا، لا يتشكل منه بناء، سوى ما كان على شاكلة مثلث برمودا!

على مشجب التنوع والتعدد نما الجيل الفبرايري الحديث من الكوبيات، وارثا جينات سلفه الجيل الجماهيري. وعلى إيقاع الثورة والتغيير صنعت الكوبيات طعومها القاتلة التي التقمها الليبيون البسطاء، وحسبوها منتجا ديموقراطيا حديثا لابد من التعاطي معه وقبوله مهما علت تكلفته.

تكاليف الكوبيات فاقت المعقول، بل إنها أصبحت عللا وأسقاما جسيمة عبثت بمخرجات العملية الديمقراطية؛ من مؤتمر وطني، وحكومة، ومؤسسات مجتمع مدني. وبدل أن تعبر هذه المنتجات الديمقراطية بالبلاد من حالة الثورة والفوضى إلى حالة الدولة والنظام والاستقرار، وجدناها بسبب فيروس الكوبيا المهجن الذي سكنها،  تقصر عن أداء ما كان مأمولا منها، بل ربما عملت في عكس اتجاهه.
   
ورغم أن كائن الكوبيا في شكله المشهور المعروف، هو جسم مستهجن اجتماعيا، ومجرَّمٌ أخلاقيا وقانونيا، ويمارس عمله في الخفاء داخل الحدود الضيقة التي يتيحها له تكوينه الكوبيائي المنعزل؛ إلا أن نموذج الكوبيا الليبي الوقح خرق هذه القاعدة، فاعتز بإثمه، وجاهر بكل منكرات الكوبيا وبوائقها، منتهزا ظروف البلاد الاستثنائية الصعبة. وحتى إذا ما بدا هذا الفيروس الكوبيائي أنيقا نبيلا، وذلك باتخاذه الأشكال المألوفة للكيانات الاجتماعية والسياسية والدينية، إلا أنه لا يفعل ذلك إلا تقية، ولكي يسهل عليه المرور من بوابات وصمامات المجتمع الموصلة إلى مفاصله وأماكنه الحساسة، حيث يسهل عليه هنالك فعل ما يريد.

ولأن الكوبيا تعرف جيدا أن النخبة في تكوينها الطبيعي الحر هي عدوها الحقيقي، عمدت الكوبيا إلى إفساد موسم ولادة النخبة الذي أيقظ أجنته ومنحها رعشة الحياة الهبوب المفاجئ لنسائم الربيع الديمقراطي، والتي هبت على ليبيا بعد انتظار مرهق امتد لعقود طويلة.

موسم تكوين النخبة في أوائله كان واعدا، إلا أن الوباء الكوبيائي تمكن من إجهاضه مستخدما، كما هو ديدنه، تقنية المكر والتلبيس والخداع التي يتقنها؛ ففي شهور عسل الثورة، وتحت إيقاع ألحان التغيير العذبة المثيرة، أعمل الفيروس الكوبيائي سكاكينه التي أطلق عليها أسماء رنانة من مثل؛ الفرز الأيديولوجي، والعزل السياسي، ومتابعة المحسوبين على النظام السابق(الأزلام)، وغير ذلك من أسماء، لم تخطر على بالنا، ولم نتداولها، ونحن نمارس الثورة. وبكل أسف، فإن أكثر ضحايا هذا الاجتياح الكوبيائي كانت النخبة! ألم ينجلي غبار تلك المعركة الخبيثة عن تصفية مقننة  لشخصيات نخبوية بارزة داخل المؤتمر الوطني نفسه من مثل؛ المقريف، ونائبه عتيقة، وحسن الأمين، وربما الكثيرين غيرهم من كائنات نخبوية، خنقت أنفاسها أدخنة النفير الكوبيائي السامة، ووارتهم أغبرته وأتربته السوداء الكثيفة.

وإذا كان المتهم الأول في جريمة إفساد موسم ولادة النخبة الليبية، هي الكوبيا في شكلها السيء المعروف، وهو ليس أمرا غريبا أو مفاجئا، إلا أن الغريب والمحزن حقا هو تشكل كوبيا أخرى نبيلة من أفراد محسوبين على الثورة تمكنوا من الالتحاق المبكر بركب الثورة بعد رجوع بعضهم من ديار الغربة، أو بعد نفض تراب الاغتراب المحلي من على رؤوس بعضهم الآخر، وحصولهم على الفرصة الذهبية في التواجد في أماكن تعين على بناء صرح الثورة ومن بعدها الدولة من لبنات النخبة الحقيقية، وذلك قبل عصف موجة ذلك التدافع الغريزي الفاضح على غنائم الثورة. بعض هؤلاء اكتظت بهم منصة الاحتفال بيوم التحرير، والذين بقدر ما عجزوا عن مجرد صياغة خطاب يليق بيوم التحرير، عجزوا أيضا في مخاطبة النخبة التي كانت تنتظر إيعازا منهم يجمع صفوفها ويوحد إيقاع سيرها.  إن خطابا بأهمية خطاب التحرير، كنت أتوقع وغيري دعوة كل كتاب الوطن ومفكريه إلى المشاركة في إنشاء كلماته. شخصيا امتد بي الطمع إلى وضع بعض هذه الكلمات! لا جدوى، فحتى من كنت أعرف من وجوه يوم التحرير أنكر أنه كان يوما قد رآني، أو هكذا بدا!

رغم أن التحديات التي واجهت انقلاب القذافي أو ثورته، كانت أقل بكثير من التحديات التي واجهت ثورة فبراير، إلا أن القذافي كان أذكى من المزدحمين في مطبخ الثورة، حيث اتجه بسرعة وبقوة نحو بناء نخبة نظامه، وذلك بمجرد استتباب الأمر له؛ ندوة الفكر الثوري، ورابطة الطلبة الوحدويين الناصريين العرب، وربما غيرها كثير، من أمثلة الأجهزة المبكرة لصناعة نخبة سبتمبر. أما الأجهزة المتأخرة  فأكثر من أن تحصى!  

إذا لم تكن للكوبيا اللعينة والنبيلة من أفعال ضارة سوى إفساد وإجهاض موسم ولادة النخبة فكفاها؛ إذ لا يمكن للثورة التحرك خطوة واحدة ونخبتها مهملة مشتتة منهزمة، وربما مطاردة ومجرمة. ليس ثمة من سبب يمكن أن نعزو إليه ما عليه أوضاعنا الحالية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الأمنية من بؤس، سوى خصوبة أرحام ولادة مخلوقات الكوبيا الطفيلية الضارة بأشكالها وألوانها المختلفة، وفي المقابل جفاف وعقم أرحام ولادة النخبة، تلك الأرحام التي يبدو أنه قد تم استئصالها بالكامل!

أبشع نشيد جنائزي ينشده بعض الكوبيائيين على نعش ليبيا الثورة هذه الآونة، هو ذلك النشيد النشاز المخزي، والذي تعلو فيه أصوات التشنيع على من قضى عمره محاربا للدكتاتورية، وتضعه هو ومن مارس الديكتاتورية في سلة واحدة. ثم، وفي نفس المقطع من هذا النشيد النشاز، نجد هذا الكوبيائي يبرر للقطاء الثورة المدعين لها شعارا، والمحاربين لها مسلكا ومسارا، ما يقومون به من أعمال إجرامية شنيعة! وذلك بحجة حاجة الكوبيا أو القبيلة أو الكتيبة أو الحزب لخدمات أولئك الفاسدين من أعضاء هذه الكوبيات. وبهذا تحولت الكوبيا الليبية، الصفيقة منها والأنيقة، إلى مافيا ليبية لها قوانينها الخاصة التي لا تأبه إلا بمصلحة أفرادها، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالمثل والقيم، وحتى الوطن.

المماحكات السياسية التي عزا إليها رئيس الحكومة  سبب استضافته القسرية في إحدى مقار الكوبيات، هي آخر وأوضح مساهمة الصراع الكوبيائي في اضطرام بركان المثلث البرمودي  الواقعة فوقه ليبيا، ذلك البركان الذي بلغ سيل صهارته حافته وزباه، أو هكذا بدا في نظر علي زيدان ليلة هشمت الكوبيا نظارته. لعل بعد تجديد رئيس الحكومة نظارته، تبدو له ليبيا، وكذا نحن، أفضل بكثير مما ظهرت به يوم بروفا الانقلاب الكوبيائي، ولن يتأتى ذلك إلا بعد أن تصبح ليبيا كلها كوبيا واحدة لليبيين جميعهم.
  
2 ــ فوبيا

الفوبيا التي أعنيها هنا هي فوبيا الآخر وصعوبة تقبله وكراهية التعامل والتوافق والتعايش معه. وطالما أن ليبيا غدت أرخبيل من جزر الكوبيات، فلابد أن هذه الجزر محاطة بمحيط الفوبيا ومتشربة مياهه السامه، ذلك المحيط الكبير العميق الذي يكاد يغرقنا جميعا، ويقضي على ما تبقى في وجوهنا وقلوبنا من شذرات سماحة، وآثار وفاق وتفاهم.

والفوبيا عند حدودها الدنيا من الممكن إدراجها ضمن قائمة الأمراض النفسية المعروفة، ومن تم الشروع في علاجها بما أتاحه العلم من علاج ودواء. بيد أن الأمر يخرج عن هذا الإطار عندما تتخلل الفوبيا النسيج الاجتماعي كله، وتجعل الناس يتصرفون بشكل جماعي تحت تأثير الفوبيا الاجتماعية.

في السنة الأولى من السبعينيات التحقنا بالجامعة، حيث كانت ليبيا كلها هناك. كانت أسماؤنا المجردة هي الأداة الأسهل والأقرب لمعرفة بعضنا بعضا. وحتى إذا نسي أحدنا اسم الآخر،  فإنه يناديه باسم مدينته، ولا غضاضة في ذلك، إذ لم تكن آنذاك أسماء المدن تحمل أي إشارة أو مدلول، عدا عن كونها ذلك الجزء من وطننا الذي يسكنه مواطنونا. في السنة الموالية تغيرت الأوضاع، ووجدنا أسماء أخرى جديدة تأخذ مكانها إلى جانب أسماء الأشخاص وأسماء مدنهم، بل ربما حلت هذه الأسماء الدخيلة المشفرة محل أسمائنا وأسماء مدننا وأزاحتها.

مجيئ تلك الأسماء الجديدة الغريبة وسيطرتها المفاجئة على المشهد لم يكن طبيعيا، وإنما كان نتيجة زلزال سياسي اجتاح المكان وغيَّر كل تضاريسه؛ فأقام هنا جبلا رصه بكائنات اتخذت من اسم ثورة ومشتقاته أسماء لها. وجعل هناك مستنقعا اشتق أسماء كائناته من كلمة رجعي ومرادفاتها. وحفر في مكان آخر مغارات وكهوف أطلق على سكانها أسماء أخرى غريبة يصعب على المواطن الليبي البسيط نطقها فضلا عن فهمها. وعلى الفور تبدلت سحناتنا وأسماؤنا؛ فهذا ثوري، وذاك ناصري، وآخر إخواني، وغيره شيوعي، وغير ذلك من أسماء وصفات كثيرة متعددة.

نتيجة ذلك الزلزال وارتداداته التي لم تنقطع طوال العقود، وُلِدت كائنات الفوبيا، وطال العمر بها وبسلالتها حتى بلغت أربعين عاما ونيفا، قضتها الفوبيا وهي تمارس نفس الدور الحامل للماركة المسجلة المعروفة: الخوف والشك المتبادل والمزروع في كل عين وقلب، بل وفي كل مكان وزمان.

التغيير الخطير الذي حدث في فبراير، وإن قضى على هيكل الكائن الفوبيائي العتيد، إلا أنه لم يتمكن من محو جيناته التي توزعت في ثنايا الوعي الليبي؛ فقد دشن الجيل الجديد من فيروس الفوبيا الاجتماعية نشاطه بتجريب نسخته المطورة المعدة للعمل في مناخات الربيع الديمقراطي الجديدة، حيث بدأت هذه النسخة أول ما بدأت في تغيير الأسماء والصفات التقليدية والمسالمة للكائنات الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية، وأطلقت عليها أسماء أخرى غاية في التكلف والإثارة، وناضحة بالتحريض والتهييج!

ولأن الكائن الفوبيائي ذكي وماكر، فلم يوجه اهتمامه إلى ساحات الاختلاف ومظنات التنافس واختلاف وجهات النظر العامة المعروفة والمـأمونة، وهي كثيرة جدا؛ كاختلاف الآراء وتباينها حول التنظيم السياسي والإداري الفني للدولة، أو الاختلاف حول أدوات وأولويات التنمية، أو حتى اختلافنا حول بعض القيم والمثل العامة. إن الكائن الفوبيائي الخبيث وجه جل اهتمامه إلى مناطق حساسة جدا في وعينا الغض وموروثاته القبلية والبدوية، وحتى الدينية؛ حيث العصبية الفاتنة، والتزمت المقدس، والجهل المركب. وهي أمكنة إذا اشتد الوطيس فيها، تعالى غباره ودخانه حتى يغمر الأرض، ويحجب السماء، ويطمس العقول، ويعمي الأبصار، فلا معالم عندئذ ولا طريق.

وفي موازاة خط إقحام عموم الناس في فوبيا بعضهم البعض، لم ينس الكائن الفوبيائي محاربة الرموز والقادة ؛ فبمجرد بروز اسم شخص وتألقه والتفاف الناس حوله تمد عليه الفوبيا خيوطها وتشبعه قدحا وذما، حتى تحوله من المكان العالي الرئيس، إلى الحضيض البئيس.

وحرب الرموز، كما هو معروف، يمتد تاريخها إلى حقبة الشخص الفريد والقائد الأوحد، حيث تم خلال تلك الفترة الفتك بأي رمز ليبي، من أجل ترك المكان خاليا للرمز الوحيد المتطاول والمتورم أبدا حتى ضاقت به ليبيا، وربما أفريقيا كلها، وأخيرا ضاقت به الأرض فلفظته.

في ليبيا الآن ليس ثمة كبير يقول فيُنصت إليه، أو يأمر فيُطاع، وذلك لأن معظم المدرجات الاجتماعية التي يقف عليها الناس طبقا لقاماتهم وأوزانهم، عبثت بها الهزات العنيفة على مدى عقود الدكتاتورية والفساد، وكذا ما يفعله تأخر قيام الدولة بعد الثورة من أثر يصب في نفس الاتجاه،  ويعمل على عدم تشكل طبقات المجتمع ونضجها وعيا ونظاما.

حقا لقد أبر القذافي بوعده في جعل ليبيا من بعده جمرا تؤججه منافيخ كثيرة أحدها وأهمها منفاخ اختلاط واضطراب الفريق الليبي، قواعد ورؤوسا. أوضح أعراض هذه الحالة وعلامتها المميزة هو ما نراه الآن من انعدام الاعتراف بأي كبير، وتهوين شأن أي ناصح، واستشراء هذا المرض العضال لدى فئة الشباب، الذين هم في أمس الحاجة للكبير والمشير والناصح والخبير.

3 ــ كيمياء  

كلما تم اكتشاف منجم جديد من مناجم المؤثرات العقلية؛ من خمور، ومخدرات، وحبوب هلوسة، كلما زاد نصيب الفرد الليبي وارتفع معدل استهلاكه من هذه المواد، وهو أمر يتحتم معه إجراء التحديث اللازم لأنظمة أماننا نحن المواطنين العاديين، وتطوير وتجديد أدوات تعاملنا مع المستهلكين القدامى الذين تضاعفت جرعتهم من هذه المادة، وكذا مع الأعضاء الجدد للنادي الكيماوي العتيد، وذلك إذا أردنا العودة إلى بيوتنا سالمين.



كانت غاية ما تفعله كيمياء الخمور التقليدية، مهما تعتقت، هو اللعب برأس صاحبها وانعدام توازنه ثم ارتمائه  أخيرا في زاوية من زوايا المكان، حتى يذهب عن رأسه مفعولها، والذي في غالب الأحوال لا يخلف أثرا ضارا في المحيط، ولكن ضرره يتركز على الفاعل نفسه، حيث تسْود صفحته الاجتماعية، وتدنو مكانته في أعين الناس.



ومنذ زمن ليس بالبعيد كانت موهبة التفرس في الوجوه، وإجادة قراءة لغة أجساد الناس، من المواهب التي  يفخر بها مالكوها أيما افتخار؛ إلا أن كيمياء تشويه خلقة الناس وأخلاقهم حطمت كل ما اخترعه المتفرسون من معادلات، وما ابتكره الخبراء النفسانيون من نظريات، وذلك لأن هذه الكيمياء جعلت وراء كل إنسان يقف أمامك، إنسانا آخر لا صلة له البتة بالإنسان الماثل أمام عينيك، وإن اشترك الاثنان في اسم واحد، وشغلا مكانا واحدا.

الشباب الكيماويون تغص بهم شوارعنا هذه الأيام، ويملئون حياتنا خوفا ورعبا، وهم وحدهم من تحوم حولهم أغلب شبهات السرقة بالإكراه والخطف والقتل، وغير ذلك من أعمال يظهر عليها بوضوح توقيعات أعضاء الفئة الكيماوية البائسة المنحرفة.

الدمار الكبير الذي ألحقته الكيمياء الشيطانية بعقول شبابنا، أنتج مباشرة دمارا أكبر في المكان الذي نتشارك مجبرين العيش فيه مع هؤلاء الشباب، والذين هم بعض منا، وليس لنا من حل سوى التعايش معهم ومواجهة الجيش الكيماوي الذي يسكن أدمغتهم!


فئة الشباب هم جل ضحايا هذه الكيمياء الفتاكة، وليس من المستبعد، إذا استمر الحال على ما هو عليه، أن يتم  إخضاع هذه الفئة إلى اختبارات كيماوية كلما دعت الحاجة للتعامل مع أي منهم. ومما يزيد في خطر الكيمياء الليبية هذه الآونة، ويعاظم من قوة انفجاراتها، امتزاج مساحيقها بمسحوق البارود، واختلاط حبوبها بكتل الرصاص؛ فبمجرد أن يصل المؤشر الكيميائي في دم الشاب الليبي غايته، ينطلق هذا الشاب أوتوماتيكيا نحو سلاحه الآلي، مُعمِلا منشاره الكهربائي في أجساد البشر التي تبدو له من خلال منظاره الكيميائي أجسام ذئاب ذوات أنياب، وليست أجسام أهل له ومعارف وأصحاب! وكيمياء الترامادول والكيبتامول وشركاهما، تجعل من متعاطيهما "طرزانا"، يبعث مجرد ذكر اسمه الرعب في نفوس من هم حوله. كان طرزاننا الليبي الكيماوي قبل ثورتنا يحمل سكينا، وفي أحوال نادرة يحمل سيفا، ولا يحمل معه سلاحا ناريا إلا ما ندر. بيد أن طرزاننا الحالي وفي صورته الأكثر أمنا وأناقة نراه يحمل معه كلاشنكوف، وكمية لا باس بها من الذخيرة. وتبلغ التراجيديا ذروتها عندما يحمل طرزاننا الليبي، بالإضافة إلى الكيمياء والكلاشنكوف والذخيرة، شعارات السلطة، ويركب عرباتها، ويجر ضحاياه إلى مقراتها!

أحد المشاهد الحية للإنسان الكيماوي شهدته بنفسي، وقد كان ذلك في حرم المسجد، وفي حرم وقت صلاة الجمعة، وفي حرم الطريق العام، وفي تلامس مباشر مع مشاعر وأحاسيس العشرات من المارة، وفي حضرة المئات من سكان الحي، وفي نطاق مسؤولية أكثر من مركز شرطة وكتيبة أمنية. في حرم هؤلاء جميعا انبرى، وعلى حين غرة، أحد الطرزانات الكيميائية المسلحة، فقتل من قتل، وأرعب من أرعب، ثم عاد الفارس الهمام إلى بيته سالما غانما، وعلى ملحمة اخرى عازما!

أشباه هذه القنابل الكيميائية أكثر من أن تحصى، إلا أن ما يهمنا من أمرها وأمر أشباهها في هذا المقام، هو رأس تفجيرها الحامل للأسماء التجارية الكثيرة، والذي يباع هذه الأيام على الرصيف بأبخس الأسعار، وبخصم كمية محفز! بل إننا بدأنا نسمع عن تلك الحبة التي تحمل صاحبها أسبوعا كاملا فوق جناحيها، محلقة به فوق نطاق الشرائع والقوانين، وبعيدا عن القيم والمثل، بل وخارج المعقول والمقبول!   

خلاصة، وطريقة بسيطة للعلاج

حاولت في هذه الكلمات التي تعدت الألفين وثمانمائة كلمة، رسم مثلث الرعب الذي يحيط ويتربص بالليبيين، وأقر بأنني لم آت بأي جديد، وذلك لأنني شكلت حروف هذه الكلمات من طيننا الليبي، ومن مائنا الذي نشرب صنعت المداد.  

أجل، إنه الطين والماء الليبي الذي مد أضلاع هذا المثلث البرمودي اللعين، وإنها جيناتنا تلك التي تدفع بالأبناء والأحفاد إلى لعب دور أجدادهم "الفلاقة" الذين أدوا ذات يوم نفس الدور، وربما بنفس المكان!

ولأن التشخيص نصف العلاج، كما يقولون، فأرجو أنني بما ذكرت قد ساهمت في تشخيص العلة. أخشى أن أبدو على قدر كبير من السذاجة إذا تجرأت وتصديت لعلاج هذه المتلازمة الشرسة الخطيرة!

أعتقد أن هذه المتلازمة الشرسة الخطيرة بأوجهها الثلاثة؛ الكوبيا، والفوبيا، والكيمياء، لا تخرج عن كونها علة نفسية،  تدخل في مدى علم النفس الشخصي والاجتماعي، ولا سبيل للتخلص منها إلا بأن يعتقد صاحبها جازما بأنه مريض نفسيا، وأنه يتوجب عليه تقييم حالته النفسية، ومن تم الشروع في علاجها. ولعل أحد طرق العلاج النفسي الفردي المعروفة هو كبح جماح هذه النفس، وتهذيب نزواتها الفاضحة، وترويضها على التضحية بالعاجل القليل، مقابل الفوز بالآجل الممتد الطويل؛ فالكوبيائي يعاني من فرط تخمة الاستحواذ، والرغبة في الحصول على أكثر من نصيبه، وبتعففه ينعتق من قيود نزواته وغرائزه، ويتحرر من رابطة الكوبيا، ويرتد عن دينها، ويأوي إلى حضن الجماعة، ويستند على ظهرها القوي الركين.

وإذا شعر كل فوبيائي بأن هناك خطرا أكبر من الخطر الصغير  الذي يراه، والذي تضخمه له نفسه المعتلة، وأن هذا الخطر الأكبر هو خطر انعدام الوجود بالكامل لكل مواطن ليس لديه وطن، وأنه لا وطن بدون دولة، ولا دولة بدون مواطنين، حتى ولو كان هؤلاء المواطنون مختلفين. عند ذلك فقط سيتعافى الفوبيائي ويكبر عقله، ويعمد إلى قطع كل حبال الظن السيء بالآخر، ولجم عادته وهوايته السيئة في نسج خيوط المؤامرة، والتي تشابكت هذه الآونة حتى سدت كل حيز بين سكان البلد الواحد.

وبنهاية الكوبيا وانتظام أفرادها في عقد الوطن الواحد، وكذا تلاشي الفوبيا وشعور المصابين بها بالأمان، يتجانس نسيج الوطن ويلتئم، ويزول الخوف من كل نواحيه وأرجائه، ويصفو جوه، ويعذب ماؤه، فتضيق وتتلاشى مساحة الضيق والتوتر. وعندها فقط يصبح مذاق الخمر والحشيش ومشتقاتهما مقززين لمن ذاق زلال الوئام وحلاوة الصفاء، ويضحى الترامادول والكيبتامول منغصين لا مسعدين ومبهجين لأولئك الذين ظللتهم العدالة وغمرتهم الثقة والمساواة.
  
على مدى السنوات التسع عشر الصعبة التي أعقبت  الاستقلال، صعدنا بفضل إرادتنا من قعر هاوية الفقر والتخلف إلى مصاف الدول المكتفية، ولم نكن طوال تلك المدة الطويلة بحاجة إلى كوبيا سياسية أو قبلية أو أيديولوجية. كما لم يشعر أي أحد منا خلال تلك الفترة الصعبة بالخوف من الآخر، بل شعرنا بالأمان واقتربنا من بعضنا أكثر بإعلان اتحاد الولايات الليبية الثلاث. أما الكيمياء وعللها المختلفة من مذهبات العقول، ومهلكات الأبدان، فلم يكن لها آنئذ وجودا يستحق الذكر.

لا يمكنني أن أختم هذا المقال الممل الطويل دون الإشارة إلى حقيقة مرة مرارة ما نحن فيه من سيطرة أقلية مثلث الكوبيا والفوبيا والكيمياء، والتي قد لا يتجاوز عدد أفرادها بضعة آلاف ممن يعانون من علل نفسية، أو على أحسن الأحوال، لديهم معدلات عالية من هرمون حب الظهور والتأثير على أغلبية ساحقة صامتة لا يمتد طموح أفرادها أكثر من رؤية بلادهم على غرار النسخة الملكية المباركة؛ حاكم مخلص رشيد، وشعب بسيط مطيع صائم عن الكوبيا والفوبيا والكيمياء!

نعم هكذا نريد بلادنا.  لِمَ لا ؟!!!  

محمد عبد الله الشيباني
Aa10zz100@yahoo.com

.



إرسال تعليق