الجمعة، نوفمبر 09، 2012

ألف خطبة منبرية


ألف خطبة منبرية، لم تجعل طريق الجامع ممهدة سوية!

الخطب المنبرية التي تعد بالآلاف معنية بمناقشة وتمهيد طرق تفكيرنا وطرق سلوكنا وطرق كلامنا وحتى طرق دبيبنا ومسيرنا.

خطب المنابر الجُمعية وغيرها اجتماعات رسمية أجندتها الحقيقية ذلك الكم الهائل من مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والثقافية وحتى الشخصية والنفسية، وما لم تفلح هذه الخطب في حل هذه المشاكل فإن أهميتها التعبدية يشوبها النقص ويعتريها القصور.

في الجامع الذي ألتقي فيه بإخواني المؤمنين المسلمين، وأجتمع فيه بزملائي المصلين أعضاء هذا الاجتماع الأسبوعي الألفي التعداد، تطرق اجتماعنا المكرر هذا خلال السنين إلى مئات المواضيع وطرق جميع الطرق، ولكنه لم يفلح في اتخاذ قرار إيجابي نافذ واحد يستهدف أقرب تلك الطرق وأهونها، وهو مناقشة مشكلة الطريق الذي يدب فيه الناس قاصدين جامعهم الذي دأبوا على الاجتماع فيه آلاف المرات وبنصاب يفوق عدد المقاعد المتاحة.

أجندة هذا الاجتماع يحررها ويفرضها خطيب الجمعة منفردا، وهو بهذا ينوب عن الآلاف من المصلين المجتمعين ويتصرف نيابة عنهم في تحديد المشكلة الأسبوعية المطروحة، وليس لأحد من المصلين الآلاف دور في تحديد موضوع الخطبة والمشاركة في اتخاذ قرار ما من آلاف الاجتماعات المعدومة القرارات، والتي يتم عقدها على مدار السنين، وهو ما يجب أن ينظر إليه على أنه السبب الرئيسي في فراغ تلك الخطب من محتواها الإجرائي التنفيذي الإيجابي الهام.

الطريق الذي يقع عليه هذا الجامع والذي يؤمه الآلاف من المصلين كل يوم جمعة بكامل زينتهم ووقارهم وتجليهم تسكنه الحفر والمطبات وتتكدس في نواحيه القمامة، ولم يخصص الإمام خطبة واحدة يدعو فيها هؤلاء المصلين إلى التعاون من أجل إصلاح هذه الطريق وإماطة الأذى عنها، وهو عمل من أهون أعمال الإيمان وشُعبه. وحتى إذا ما صادف وطرق الإمام هذه المشكلة فإن طرقه هذا لا يتعدى تكرار الخطاب الديني التقليدي المعروف، والذي يقتصر على ترتيل آية قرآنية أو حديث نبوي بالخصوص، سبق للجميع سماعه مئات المرات. والشأن ذاته يتبع مع أي مشكلة عظم أمرها أو صغر.

في حرم هذا الجامع، وعلى رصيف الطريق غير الممهدة  المؤدية إليه تظهر بوضوح وفي بؤرة إبصار الجميع الذين لا يفوتهم اجتماع واحد من هذه الاجتماعات الأسبوعية حزمة من المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي تعبث بكيان المجتمع من مثل  ظاهرة الاتجار بالمخدرات إلى ظاهرة السطو والسرقة إلى ظاهرة خدش الحياء العام والعربدة المرعبة المفزعة، إلى غير ذلك من المواضيع الخطيرة التي قد تحتاج الظاهرة الواحدة منها إلى عديد الخطب المنبرية والاجتماعات الأسبوعية لمناقشتها واتخاذ القرار الصائب حيالها.

الاجتماع في الجامع ما لم يُفعل إجرائيا، وما لم تمس خطبة الجمعة مسا مباشرا مشاكل المصلين وتستهدف بالدراسة والحل تلك المشاكل، فإن الجامع وارتياده اليومي والأسبوعي سوف يحصر في الجانب التعبدي السلبي الذي لم يفلح خلال الدهور في تقويم سلوكنا أو تحسين أحوالنا.

لابد من اشتراك المصلين أعضاء هذا الاجتماع الأسبوعي في تحديد موضوع خطبة الأسبوع، ولابد من إلحاق خطبة الجمعة باجتماع مصغر لممثلي المصلين يتم فيه حوصلة موضوع الخطبة وتحرير قرار بشأنها.

لا بأس من إعداد قائمة بأسماء أعداد المصلين الدائمين والذين يواظبون على حضور اجتماع يوم الجمعة على أقل تقدير ودعوتهم إلى إبداء آرائهم في أجندة هذا الاجتماع، وكذا دعوة القادرين منهم إلى التبرع بما لديهم من إمكانيات مادية ومعنوية  لتسخيرها في حل مشاكل الآلاف التي تؤم الجامع وتقصده.

الدين ما لم يكتسب دينامية يلمسها معتنقه، ويحس بأثرها في سلوكه وسلوك من حوله، وكذا أثر هذه الدينامية في تطوير وتحسين تضاريس الحياة من حوله، فإن الدين سيتحول إلى طقوس تعبدية جامدة تقيم الدين جسدا وتنخره نخاعا، وهو ما عليه حالنا الآن.

إن نجاح الرموز الدينية وفعالياتها في تحسين حال الناس وتحضرهم يشكل رافعة مهمة في زيادة عدد الناس المتمسكين بالدين، أما تخشب هذه الرموز وجمود تلك الفعاليات وقصرها على الجوانب التعبدية الصرفة فإنه ينعكس سلبا على الألق الوجداني الروحي للناس وخاصة الشباب منهم الذين بطبيعتهم يجنحون إلى كل ما هو دينامي متحرك متطور.

محمد عبد الله الشيباني

إرسال تعليق