الاثنين، أكتوبر 07، 2013

خطيب الجمعة .....

خطيب جمعة ولكنه خارج التغطية!

للتو خرجت من مسجد حيّنا بعد قضاء صلاة الجمعة وسماع خطبة الصلاة. يُفترض في وقت كهذا شعور الإنسان بالارتياح، ولكنني لم أكن كذلك، بل كنت مغتاظا حد الانفجار، فقصدت لوحة المفاتيح، حيث فضاء البوح، وبراح التنفس والتفريج!

بعيد صلاة يوم الجمعة الماضي، شهد حرم مسجدنا أبشع جريمة؛ جريمة قتل إنسان بكل إصرار وترصد، ودونما مبرر يذكر. الكثير من المصلين الذين شهدوا الفاجعة قبل أسبوع، مروا هذا اليوم وهم في طريقهم إلى المسجد بمكان الجريمة، حيث الدم الحرام لا زال لونه الأحمر القاني ظاهرا وطاردا كل لون عداه، وحيث رائحة ذلك الدم الحرام مسيطرة على ما عداها من برفيومات أولئك المصلين وخطيب جمعتهم.

رغم مضي أسبوع على ذلك الدم وهو يُسحق بدواليب السيارات صباح مساء، ويُشوى على سطح  قطران أسود تؤجج حرارته شمس صيف حارقة؛ إلا أن هذا الدم أصر إلا أن يصمد ويُحي بطريقته الخاصة ذكرى الأسبوع الأول لاستشهاد صاحبه المغدور، والذي عز في هذا اليوم ذاكروه، كما عز يوم الغدر به قبل أسبوع ناصروه.

في طريقي إلى المسجد مررت على بقع الدم، وسلمت على روح صاحبها الغريب، والذي يضمه الآن قبر يبعد عن قطرات دمه المسفوح آلاف الكيلو مترات. واصلت سيري وبدأت تتناهى إلى مسمعي كلمات الخطيب المتضمنة ذكر الدم؛ ففرحت وأسعدني كثيرا أن يكون خطيب مسجدنا على هذه الدرجة من القرب والإحساس بما حوله من مشكلات، وخاصة تلك التي بحجم قتل نفس بريئة غافلة!

بكل أسف لم تدم فرحتي طويلا، فقد تبين لي أن الدم الذي يدندن حوله الخطيب ويشد آذان الناس وأفئدتهم إليه إنما هو دم خروف الأضحية المتوقع إهراقه بعد أكثر من عشرة أيام، لا دم الإنسان المقتول ظلما في حرم المسجد قبل سبعة أيام!

أجل، فرغم أن عيد الأضحى ودم خرافه تفصل بيننا وبينه أكثر من عشرة أيام، إلا أن خطيبنا كرس كل اهتمامه على دم الأضحية، وتجاهل الدم الحرام الذي تطوق رائحته المسجد. كأن خطيبنا لم يسمع وهو في طريقه إلى المسجد بقع دم ذلك الإنسان المغدور وهي تجأر إلى الله من قاتله، وكذا كل من أعان ذلك القاتل ولو بشطر كلمة، أو حتى بسكوته المريب العجيب الغريب الذي اقترف بعضه الخطيب!

يا خطيب مسجدنا: إن دم الخروف الذي شغلك وأشغلتنا به، لن يغفر لنا الله بإهراقه أي ذنب ولن يتقبله منا، ما دمنا نهون دم إنسان أهرق أمامنا ظلما وعدوانا!

يا خطيب مسجدنا: إن أجر عيد الاضحى أو عيد التضحية والفداء الذي تذكرنا وتبشرنا به، لم تبق لنا منه شيئا، وأنت تصمت على جريمة قتل إنسان اقترفتها يد غادرة في حرم المسجد الذي تتحمل مسئولية الخطبة الجمعية المقدسة فيه!

إن خطبة الجمعة المقدسة تفقد قدسيتها عندما تفقد  خاصية التأثير الإيجابي في تفكير الناس وسلوكهم. ولا يتأتى التأثير الإيجابي إلا بالزاد المعرفي الحي المراعي للضرورات والمحافظ على التراتبيات والمتحسس بدقة لسلم الأولويات في التعامل مع المعلومات وممارسة الفعاليات.

كنت أتوقع من خطيب مسجدنا أن يقيم الدنيا ولا يقعدها على جريمة القتل المذكورة وسلبية أهل الحي تجاهها، وكذا قصور الشرطة والكتائب الأمنية في منع حدوثها وعجزها الفاضح عن محاسبة فاعلها. وحتى إذا ما عجز خطيبنا عن كل ذلك واكتفى بمجرد الولولة والتشنيع بالقاتل، فذلك خير ألف مرة من تجاهل الموضوع برمته، وكأن القاتل لم يقتل سوى حشرة من حشرات الأرض!   

خطبة الجمعة في غاية الأهمية، وذلك لكونها الحصة التثقيفية الدورية الوحيدة التي من خلالها يستطيع المسجد ممارسة دوره في إصلاح المجتمع. وما لم تعط الجهات المسئولة هذه الخطبة والقائمين عليها كل الاهتمام، فإنها بهذا تقطع الخيط الأهم بين المسجد ومرتاديه.

التوجيهات الدينية كغيرها من توجيهات إدارية عادية تفقد قوتها عندما تفقد التحديث وتنقطع الصلة بينها وبين واقع الناس وما يدور في أذهانهم من أسئلة قائمة ملحة.

يوصف خطباء الجمعة بأنهم وعاظ، وهي صفة تعفيهم من ضرورة حملهم لدرجات علمية عالية، كما أن المقابل المادي الذي يقدم لهم مقابل عظة الجمعة في منتهى التواضع!  

وزارة الأوقاف يجب أن تعظم من شان منابر الجمعة، والتي يجب أن يعتليها أقطاب الفكر والمعرفة، كما يجب أن يراعى في خطبة الجمعة توفر المادة العلمية التوجيهية الفعالة فيها وبنسبة عالية تكون مكافئة للحالة المرضية التي عليها الجسم الاجتماعي المعتل الموجهة إليه.

مقالات ذات صلة:
تبا لنا عجزنا حتى عن مجرد الولولة



محمد عبد الله الشيباني
Aa10zz100@yahoo.com

http://libyanspring.blogspot.com
إرسال تعليق