الأحد، مارس 11، 2012

شركة الاستثمار المجدي ، نزيلة المقر المردي



السيد وزير المالية
السادة رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار وأعضاء مجلس أمنائها
         
                                    تحية وبعد
هل تعلمون أن:

"شركة الاستثمار المجدي، نزيلة المقر المُردي"؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

خلال عهد وصاية السفهاء، وطغيان المستبدين، قبلت عقولنا على مضض أصناف الحمق، وأضراب الجهل. بيد أننا وبعدما دفعنا المقابل من دمائنا وأعمارنا ومقدراتنا  لإفحام السفاهة وكسر قيود التسلط والاستبداد، فإن القبول بسيطرة حمق الحمقى وسفاهة السفهاء، أمر لا يقبله عقلنا الذي تحرر من كل قيد، ولا يخضع له فكرنا الذي عانق النور وحلق في سماء الحقيقة، كما لا تعايشه وتستسيغه أنفسنا التي ذاقت حلاوة المنطق وعذوبة وسلاسة الجدوى.

بعد الانتصار على الباطل ودحره، فإن أي مهادنة وقبول للباطل ومجاراته، لم تعد مجرد مكابدة اضطرارية لواقع لا نستطيع دفعه، وإنما هو تواطؤ مع بعض فلول جيش الباطل المندحر، واتفاقات جانبية رخيصة في  أمكنة مظلمة من أجل المساومة على مستقبل الوطن الذي  استرخص الرجال الأفذاذ أرواحهم من أجله!

هذه المقدمة، وإن كان قد قدح زناد فكرتها ما يراه كل ذي عقل من تناقض فاضح بين الاسم اللامع الكبير لشركة الاستثمار المجدي، الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية العالمية، وبين ما يلوح به مقر هذه الشركة العملاقة، نزيلة سجن بيداء "الهيرة" من تخلف وحمق وبؤس  ، حيث لا بيت ولا سوق ولا مصرف ولا دكان، بل ولا شبكة مجاري أو مصدر مياه بجوار هذا المشهد البائس الشاهد على حماقة من حكمونا السنين الطوال، إلا أن هذا الأمر لا يقتصر على شركة الاستثمارات الخارجية وحدها، وإنما ينسحب على الكثير من الشركات والمؤسسات المنفية عن مكانها الأصلي.

إن الفاصل التاريخي الكبير الذي أحدثته انتفاضة فبراير الشعبية بين عصر وصاية السفهاء المظلم الطويل، وعصر الانعتاق والحرية والشفافية وتقرير المصير الذي دشناه، لا يمكن أن يكون مجرد فاصل حرب ورعب قمنا خلاله بقتل أنفسنا وتقطيع أرحامنا وإهدار إمكانياتنا، ثم لنجد أنفسنا بعد انجلاء غبار المعركة المكلفة وجها لوجه مع نسخة مطورة من السفاهة والحمق وأصناف التسلط والاستبداد.

ثورة الليبيين على الباطل ليست ثورة نخبة سياسية أو حركة عسكر انقلابية تنتهي بمجرد استلام قادة الانقلاب مقاليد السلطة، وإنما هي يقظة فكر، وانتباهة نفس، وتحرر إرادة.

عندما قرر سفهاء عصر التسلط نقل الشركات والمقرات الحكومية بعيدا عن مساقط رؤوسها وأمكنة ولادتها الطبيعية المجدية، لم يكن لهم من مبرر حينئذ سوى إطاعة أوامر أعظم سفهاء العصر، معمر القذافي، والذي، وكما هو معروف، يتلذذ بلي ذراع المنطق والأصول، ويستمتع بمعاناة الناس وإرهاقهم.

أجل، ففي حلكة ليل الاستبداد، قبل حوالي عشرين عاما، تفتقت أفكار القائد وأعوانه على ضرورة تغيير وبعثرة خريطة الإسكان الإداري لمعظم وزارات وشركات الدولة الليبية ، وهو ما يضمن تفريغ الحواضر، وتطويعها أمنيا، من جهة، ومن جهة أخرى يجعل الليبيين المساكين يركضون كالمجانين دونما هدف أو غاية، إلا غاية إشباع نزعة السيطرة المرضية لدى الدكتاتور.

وكان للدكتاتور ما أراد!

فالوزارات التي يربطها بالعاصمة طرابلس أكثر من رباط تنقل إلى سرت!
القوات المسلحة جميعها تجلى إلى الجفرة!
شركة القرطاسية تتقرطس في صرمان!
شركة الأجهزة المنزلية تتزلزل وتزاح إلى زوارة!
الإدارة العامة لمصرف الجمهورية تصرف إلى غريان!
شركة الاستثمارات الخارجية تخرج إلى أعالي الجبال! وهلم جرا.

لو أن مجنونا فاقد عقل، تصور بطريقة أو بأخرى هذا العبث الدكتاتوري، لهزه هذا المشهد الغريب المريع،  ولصعقه ما يفعله البهلوان الجماهيري بكيس فئرانه، حيث تلذذ ذلك المعتوه وعصابته  بهز ذلك الكيس وما حواه من أناس مغلوبين على أمرهم العقود الطوال بلا رحمة ولا شفقة.

شركة الاستثمارات الخارجية، الشركة المالية الاستثمارية الصرفة، ولدت وترعرعت في قلب المدينة، طرابلس، حيث البيئة الطبيعية لهذه الشركة، وحيث المؤسسات المالية وغير المالية، والتي لا يمكن للشركة أن تزاول عملها دون أن تطرق بابها أكثر من مرة يوميا.

الآن، وبفعل سفاهة السفهاء، تبعد هذه الشركة ثمانين كيلو مترا عن مكان إنشائها الأصلي المجدي، وهو ما يعني سفر موظفي الشركة، والذين معظمهم من ساكني طرابلس ضعف هذه المسافة يوميا، وذلك وفقا لقانون عدم الجدوى الذي لا يزال يحكم الشركة حتى بعد احتفالنا بمرور عام كامل على الثورة على منطق الحمقى وعقلية السفهاء! ذات المشكلة بالنسبة لساكني غريان الذين يتوجب عليهم قطع ستين كيلو مترا متسلقين جبل عال وهابطين منه، وذلك مع مشرق كل صباح!

السؤال الكبير جدا هو:

ما جدوى هذا الفعل العبثي السخيف!

سؤال لا بد أن يجيب عليه كل موظف بالشركة الليبية للاستثمارات الخارجية، كما يجب أن يجيب عليه مجلس إدارة الشركة.
ونفس السؤال، ولكن بعلامة استفهام كبيرة، يجب أن تجيب عليه وزارة المالية والمؤسسة الليبية للاستثمار المالكتين لشركة الاستثمارات الخارجية.

أجاب موظفو الشركة على هذا السؤال إجابة بليغة قوامها عريضة وقع عليها معظم هؤلاء الموظفين، مطالبين فيها بإرجاع الشركة إلى مسقط رأسها ومكانها الطبيعي.

مجلس إدارة الشركة لم يجب على هذا السؤال بعد!

الكرة الآن في ملعب وزارة المالية والمؤسسة الليبية للاستثمار، والتي عليها القيام بإعداد دراسة جدوى تواجد مقر شركة الاستثمارات الخارجية في بيداء الهيرة!
  
فهل يا ترى يقرأ السيد وزير المالية ومدير المؤسسة الليبية للاستثمار، وكذا مجلس أمنائها، هذا المقال، ويقومون على الفور باتخاذ القرار الصائب؟

لو لم يتم ذلك، فما علينا إلا إقناع عقولنا وأعيننا وأسماعنا بالحقيقة المرة التي ملخصها أن القذافي لم يمت، وأن الفاتح أبدا، وأن الحمق والسفاهة والجهل في كل مكان وزمان.

الله المستعان.  

مقالات ذات صلة:





وول ستريت الهيرة؛ عبث الكبراء ومعاناة الضعفاء

أو مأساة مقر الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية

في    "الهيرة"     انهرتُ    وضاعَ   رجائي
لمّا      رأيتُ            حماقةَ          الكبراءِ

في     أرضِ      باديةٍ      أقاموا      مركزاً
للمالِ         منتصباً        بقلبِ         خلاءِ

خلف       الجبالِ      الراسياتِ       تمترسوا
وكأنهمْ         نفروا        إلى        الهيجاءِ

لم    تحوِ    "هيرة"   مصرفاً     أو   متجرا
أبداً       وما         فيها       قليلُ       بناءِ

ليس     جواركِ    "لافيكو"    من     منزلٍ
أو       مؤنسٍ      غير      عواءَ      جراءِ  


يلقون     من      مرّوا     السلام     ترحما
وكأنك           ثاوٍ          من       الغرباءِ


فمقركِ        المطروح       وسْط      مفازةٍ
جُرمٌ     تسلل       من     سحيقِ      فضاءِ
            
                 *****************

في        كل        يومٍ      رحلةٌ    محفوفةٌ
بالكربِ             والأهوالِ          والأرزاءِ

عشراتُ       أميالٍ         تحتَّمَ       قطعها
في        صبحنا       ومثيلها         بمساءِ

وهناكَ       تقذفنا       مراكبُ        شحننا
فنخرُّ      مِن       رهَقٍ      ومن     إعياءِ

البومُ       يرقبُ        حالنا        مستهجناً
ويضجُّ         مستاءً        من       الغرباءِ

وتراهُ       محتاراً        لطولِ        مقامنا
بمفازةٍ              مقطوعةٍ            جرداءِ
   
               ******************


                   

مَنْ      ذاك       يقنعنا     بجدوى     رحلةٍ
يوميةٍ       مُلئتْ         صنوفَ         عناءِ

وضياع        أموالٍ          بدون       مبرِّرٍ
وبهدر          أوقات       ونزف       دماءِ

لم      يبق      عذرٌ      واحدٌ      يضطرنا
للسير     عُميا       في     قطيع      الشاء

فالحاكمُ        المأفونُ      أضحى       رمةً
ونظامه     الباغي        مضى         لفناءِ

ما     عاد       للطغيانِ      قائمَ       دولةٍ
ما      عاد      للسفهاءِ        أيُّ       بقاءِ
   
                 ****************


لابد    من       كسر      القيود      جميعها
وجلاءِ       ما        للعقل      من      آراءِ

ما      كان     أردانا      سوى    استمرائنا
سفه        العقيد             سيد     السفهاء 

لمّا       هدمنا        للطغاةِ        صروحهم
ظهر     الذي       أخفوه     دون      مراءِ

لمّا        كشفناهم        بدتْ       عوراتهم
وفظيع      ما       أخفوه      من     ضرّاءِ
  
                  **************     

هل      كان    تحويل     المقر    لأجل    أنْ
تغدو      به       غريانُ       نبعَ      رخاءِ
             
أو      أنَّ       تحويلَ        المقرِّ    أحالها
بيداءُ        هيرة          جنةً         للرائي

كلا         فتحويلُ        المقرِّ        سياسةٌ
أمنية              الغايات             والأهواءِ

فزعيمنا       البالي         عدوُّ        تحضُّرٍ
ويرى     الحواضرَ      رحمَ      كلِّ    بلاءِ
                
كم      عانى     سكان      الحواضرِ    كلهم
من        وطأةِ       التهميشِ       والإقصاءِ

وعدِّ         أنفاسٍ         لهم           وتتبعٍ    
وكأنهم        بعضٌ         من         الأعداءِ

                ***************



مَنْ       ذاك       يسعفني     بأيِّ      مبرِّرٍ
لعذابنا          في       مشرقٍ       ومساءِ

أو       ذاكَ     يُقنعني     بعقمِ      قرارهم
ببناءِ      بيتِ      المال      في     البيداءِ

اليومَ       أكتبُ       بالحروفِ      جميعها
قد     زال     عصرُ    الحجر      والإقصاءِ

اليومَ       نكشفُ        للطبيبِ      جراحنا
ما       عادَ       ينفعنا      جحودُ     الداءِ

                   
                                  *********       



يا      أيها     المسئول      عن      مأساتنا
عن       ضُرِّنا      ومسلسلِ          الإشقاءِ

لا   تمضِ    أكثر    في      طريقٍ     بائسٍ
وتكرِّر        الماضي        من      الأخطاءِ

فيمَ      التلكُّؤ       في    اغتنامِ      فضيلةٍ
تلقى     بها      أجراً      وحسنَ        ثناءِ

هوِّنْ        علينا        للطريقِ        مشقةً
وانجزْ      وعوداً      لم      تفزْ      بوفاءِ
       
               ********




الثلاثاء، مارس 06، 2012

سنة أولى ديمقراطية"26"


سنة اولى ديمقراطية"26"
                  الفيدرالية تقنية إدارية، أم نزعة جهوية؟

مسامير القذافي في النعش الذي أمضى عمره يصنعه لليبيا كثيرة، ولعل أخطر هذه المسامير وأكثرها أذى هو دأبه على دق أسافين الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، متخذا في سبيل ذلك الكثير من الوسائل والحيل الخبيثة؛ فتارة رأيناه يقسم الليبيين إلى ثوريين ذوي حظوة ونفوذ لديه، وآخرين غير ثوريين غير ذوي نفوذ، بل ومحط شك واتهام. وتارة أخرى رأيناه يقسم الليبيين إلى عسكريين وضباط أحرار، لهم على الليبيين جميل القيام بالثورة، وآخرين مدنيين ليس لهم قدم سبق في صناعة الثورة. وتارة ثالثة رأيناه يميز الناس على شيء ليس لهم دخل فيه، وهو يوم ميلادهم، فيجعل من صادف تاريخ ميلاده يوم أول سبتمبر، متميزا على كل من ولد في الـ 364 يوما الأخرى من العام، وغير ذلك من أوسمة وصور التمييز المريب. أما رجال الخيمة وأصدقاء أبنائه فهم صفوة الصفوة!

انطلت هذه الحيلة المكشوفة على الكثير من الليبيين البسطاء، فاعتبر الكثير ممن أطلق عليهم القذافي اسم الثوريين إخوانهم الليبيين الآخرين ممن لم تظهر عليهم علامات الثورية خصوما لهم، كما نظر بعض العسكريين إلى المدنيين بشيء من الدونية، والحال نفسه بالنسبة للمواليد، وكذا من أطلق عليهم اسم الرفاق، أو أبناء الرفاق، وغيرهم. ولعله من المؤسف  حقا أن يفرح الكثير من هؤلاء المغرر بهم بالقليل من الفتات، ويرهنون أنفسهم لقاء شهادة تمييز لا تعدو أن تكون وصمة رق لحاكم ظالم مستبد.

الكثير من إخواننا في شرق البلاد وجنوبها، أو أولئك البعيدين عن طرابلس يعتقدون أنه لمجرد أن أقام القذافي معسكره وقلعة طغيانه في طرابلس، فإن طرابلس وأهل طرابلس أخذوا الجمل، وما حمل الجمل!

كاتب هذه السطور يسكن في طرابلس منذ الولادة، وأشد ما  نغص علي وعلى معظم سكان المدينة البسطاء أمثالي حياتهم، هو تواجد القذافي وعصابته في مركز هذه المدينة. ذلك أن الكثيرين من سكان طرابلس لا يرون في باب العزيزية سوى باب الذل وكابوس العمر.

المطالبون بالفيدرالية هذه الأيام وقعوا من حيث لا يعلمون في الفخ الذي نصبه القذافي، وانطلت عليهم حيلته حتى بعد أن تبين لهم سوء نيته، وتجلي حقيقة أن القذافي لم يكن يهمه أحدا سوى نفسه، وأن تعمده الإقامة في طرابلس وممارسة طغيانه وجبروته في قلبها، لم يكن سوى شكل من أشكال التنفيس على مراجل حقده على كل ما هو حضري ومتمدن، ولعل تلك  اللوحة العملاقة المنتصبة في مداخل مدينة طرابلس، والمكتوب عليها: انتصرت الخيمة على القصر، وحطمت عصا الراعي تاج الملك، أصدق ما يعبر عن علاقة القذافي بمدينة طرابلس وأهلها.

القذافي لم يحاب يوما أحدا لأنه من هذه المنطقة أو تلك، وإنما كان يحابي على قدر ما يستفيد. فالموالون للقذافي كانوا كما هو معروف من شرق البلاد وجنوبها وغربها، ولم تشفع حظوة هؤلاء لدى القذافي في تحسين أحوال جهاتهم، سواء كانوا من مدينة الطيب الصافي، طبرق الشاكية الباكية، أو تاجوراء مدينة موسى كوسا، التي لا يوجد فيها طريق واحد يصلح للسير الآمن، أو حتى مدينة البيضاء حيث الأصهار والأخوال.

أكثر ما يحتج به طلاب الفيدرالية هو معاناتهم خلال السنين الماضية من تعقيد إجراءاتهم، وشعورهم بأن سكان العاصمة طرابلس يرفلون في نعيم الإجراءات الإدارية السهلة، بسبب قربهم من المراكز الإدارية والأمنية وغيرها!

كلا!

فتعقيد الإجراءات الإدارية، كما يعلم الجميع، ليس بسبب بعد المكان أو قربه، وإنما بسبب جبل الهواجس والمحاذير وانعدام الثقة التي صنعتها الأجهزة الأمنية المحيطة بالدكتاتور.

أبرز مثال على ذلك قيام هذه الأجهزة في وقت ما بقصر الرحلات الدولية على مطار طرابلس، حيث يضطر المسافر من بنغازي إلى اليونان أو قبرص الذهاب إلى طرابلس غربا ثم العودة إلى الشرق، وليس هناك من سبب وراء هذا الفعل الهوج الأحمق سوى السبب الأمني.

وبناء على السبب الأمني نفسه، وفي مطار طرابلس وعند شباك الأمن الداخلي بهذا المطار الذي لا يبعد عن محل سكناي كثيرا، أقف ويقف كل مواطن ليبي بسيط، سواء كان من طرابلس أو طبرق أو سبها، مرتعد الفرائص، مضطرب القلب مخافة أن تُسِّر شاشة الكمبيوتر بما لا يَسُر. وعندها يكون الانتساب لطرابلس أو أحد ضواحيها قرينة قوية على الحكم الذي أصدرته الشاشة، وتصير الكيلو مترات القليلة الفاصلة بين محل سكناي والمطار أطول بكثير من المسافة بين طبرق وطرابلس!

وإذا أفلحت في تقصي شعور البعض، وتقييم ردة فعلهم تجاه ممارسات النظام الاستبدادي السابق، يكون البحث في أمر الفيدرالية متوقفا على ما تخلص إليه دراسة جدوى الفيدرالية، بعد مقارنتها بأنظمة إدارية أخرى، كنظام المحافظات المعمول به سابقا بعد تطويره وتنقيته من عيوبه وسلبياته.

إن الفيدرالية من حيث هي تقنية من تقنيات نظام الحكم، لا يمكن تطبيقها إلا من خلال دراسة جدوى يقوم بها ذوو الاختصاص، متخذين من العناصر الأساسية الواقعية للمشكلة أساسا لحساباتهم، مختارين من مجموعة البدائل التي تقترحها هذه الدراسة أحسنها وأوفقها، ولو عارض ذلك هوى نفس أو نزعة غريزة أو رواسب نفسية متراكمة.

وإذا صح أن المبرر القوي الذي يدفع به دعاة الفيدرالية هو مركزية الإدارة، فإن هذا المبرر وحده لا يصمد كثيرا أمام ما أنعم الله به علينا من نعمة تطور وسائل الاتصالات، وكذا ما يعرف بالحكومة الإلكترونية ، وغيرها من وسائل وتقنيات أصبحت في متناول الجميع.

ولعل أول ما يمكن طرحه من تساؤلات، ونحن نباشر عملية دراسة جدوى تطبيق النظام الفيدرالي في ليبيا، وقيامنا بمقارنته بالنظام الشعبي الفوضوي الذي كان سائدا، هو التساؤل المباشر البسيط عما إذا كان هناك نظام حكم وإدارة مطبقا في ليبيا فيما سبق أم لا. والجواب ببساطة: لا!

ليس من المنطقي أن نحمِّل نظام المحافظات، على سبيل المثال، والمطبق في معظم دول العالم، والذي تم تطبيقه عندنا في فترة ما بصورة مرضية، جريرة النظام الشعبي الفوضوي السابق المسكون بالهاجس الاستخباراتي!

وحتى إذا ما أثبتت دراسات الجدوى صلاح النظام الفيدرالي من الناحية الفنية، إلا أن التلويح باسم مدينة أو جهة أو التفكير في ترسيم حدود منطقة ما، ولو على سبيل التنظيم والإدارة، وخاصة في هذه الآونة حيث النعرة الجهوية في أوج عنفوانها، من شأنه أن يزيد النار اشتعالا والشعور القبلي تفاقما.

إن أقل ما يمكن أن يقال للداعين إلى تطبيق الفدرالية في هذه الأوقات الحساسة، هو أن هذه الدعوة ظهرت في وقت غير وقتها، وفي ظروف غير ظروفها، ومن الحكمة أن يكون لكل مقام مقال، كما يقولون.
Aa10zz100@yahoo.com                


الخميس، مارس 01، 2012

سنة أولى ديمقراطية"25"


سنة أولى ديمقراطية"25"

على مسافة تسمح لي بممارسة هوايتي المفضلة في تأمل ما يجري حولي من عجيب ما زخرت به هذه الحياة، وقفت أرصد وأقارن وأحلل وأستنتج ما ألقت به تلك الصورة المبهجة الأخاذة لاحتفالات الليبيين الأسطورية بذكرى انتصارهم الباهر المثير على دكتاتورهم القاتل، معمر القذافي.

من أبرز عيوبي وأنا أمارس هواية التأمل هذه، هو تعجلي المفرط في محاولة كتابة عنوان يختصر ما تلقي به إلي تأملاتي من انطباعات، وتراني أفرح غاية الفرح عندما أتمكن من اختراع عنوان مبهرج الحروف مكتنز المعاني لتأملاتي تلك. وحبذا لو كان هذا العنوان مسجوع الكلمات، عذب الإيقاعات.


الثورة قد تشعلها مجرد فورة، ولكن الدولة لا تبنيها إلا الحكمة والفكرة!

لم يكن هذا العنوان على الهيئة التي أرغب من حيث سجعه وإيقاعه، ولكنني قبلته وجعلته عنوانا لتأملاتي عشية يوم 17 فبراير 2012، وذلك لما اكتنز به معناه من أفكار وخواطر وهواجس ورؤى وتوقعات ومحاذير، وغير ذلك كثير كثير!  

العنوان المدون أعلاه هو الذي ألقت به إلي تأملاتي وخواطري المدونة أدناه:

قبل أيام من حلول الذكرى الأولى لانتفاضة الشعب الليبي ضد الاستبداد وشريعة السفاهة والطغيان، انتشرت شائعات كثيرة بوجود تهديد للثورة الوليدة في عيدها الأول، وهي شائعات منحتها الأجواء والظروف المحيطة دعما يبرر الخوف منها والتحسب لها، لا سيما وأن عددا ليس بالقليل من أنصار النظام السابق لم يصدقوا بعد أن أعمار الأنظمة كأعمار الناس لها يوم مولد وبداية، ويوم وفاة ونهاية. كما لم يصدقوا أن الطاغية القذافي هلك استحقاقا وتنفيذا لحكم محكمة بنت أحكامها على سنن الحياة ونواميس الكون وعدالة السماء، وهي سنن ونواميس وعدالة يجب أن يذعن لها كل عاقل، ولا يرفضها إلا سفيه وأحمق وجاهل.

في يوم إيقاد الشمعة الثانية لثورة فبراير حدث استفتاء شعبي تلقائي يستحق أن يأخذ مكانه في سجلات الأحداث السياسية التاريخية. كما يجب أن يتربع في مكان يليق به في سجل جينز للأحداث والأعمال الاستثنائية.

المظهر الاستثنائي المميز لهذا الاستفتاء التلقائي العملاق المشبع بعبق الفرح بسقوط الطاغية، هو ما اختص به هذا الحدث من تماثل وتطابق فيما بينه وبين ذلك الاحتشاد والتجمهر التلقائي لليبيين عندما ثاروا على الطاغية منذ عام مضى. وبذلك برهن هذا التقابل والتناظر بين المشهدين على شرعية ومنطقية وحجية كل منهما.

فكما اجتمع الليبيون بقضهم وقضيضهم، وبصورة تلقائية  عفوية ليسقطوا نظاما جائرا باغيا، جاءوا بعد هدوء فورتهم وفراغهم من مهمتهم لجرد حصيلة ثورتهم، وتأكيد حجية وشرعية انتفاضتهم. وأي حجة وأي شرعية أقوى وأوضح من التنادي والاحتشاد التلقائي الأسطوري لجموع الليبيين رجالا ونساء شيبا وشبابا عجائز وأطفالا، موقعين جميعهم على وثيقة الرضا بكل ما فعلوا، والاستعداد لتحقيق كل الذي به حلموا وأملوا.

نتيجة هذا الاستفتاء بلغت من الإيجابية والنجاح حدا قصرت عن استيعابه حتى النسبة الإيجابية المطلقة لكل الاستفتاءات المعروفة، والمحددة بالنسبة 100%. ذلك لأن هذه النسبة، ورغم بلوغها النهاية القصوى حسابيا، إلا أنها تقصر أيما قصور عن تصوير ذاك الاغتباط والرضا الوجداني الغامر الذي عم الليبيين وهم يستدعون من ذاكرة المكان والزمان خطوات خطوها، وهتافات لهجوا بها منذ عام مضى، ثم انخرطوا يقارنون، وهم في قمة النشوة والانسجام، بين ذلك الوضع المرعب الذي وضعهم فيه الطاغية وهو يمارس هواية الذبح التي لم يتقن غيرها طيلة مدة بقائه جاثما على صدور الليبيين، وبين ما هم فيه من نشوة الأخذ بالثأر من ذلك المجرم القاتل السفاح وعصابته.

في نفس هذه الشوارع والميادين، وفي مثل هذه الأيام من عام مضى خرج الليبيون بعدما نفذ صبرهم، طالبين دينا تأخر استحقاقه أربعة عقود ونيف، ولكن الطاغية المماطل أنكر عليهم حقهم، بل واعتبر أن فترة الإمهال والسماح الطويلة التي تحصل عليها هي دليل جدارة واستحقاق، وليست دليلا صارخا على قيامه بأكبر عملية سرقة ونصب واحتيال عرفها التاريخ!
  
النسبة المطلقة بلغة العقل والحساب، لا يمكن أن تساوي النسبة المطلقة بلغة العواطف والوجدان، وذلك للاختلاف الشاسع الكبير بين الأرقام المحددة المقيدة، والعواطف والأحلام المنطلقة المجنحة.  

حقا إن العواطف المكبوتة عندما تحررت، والأحلام المقيدة المسجونة عندما انعتقت، نتج عنهما فورة صنعت ثورة، والدليل على ذلك هذه الانفجارات المتتابعة لبركان ثورات الربيع العربي، ذلك البركان الذي خلت صهارته من أية رائحة من روائح الاستراتيجيات السياسية، أو الأطروحات والنظريات الفلسفية.

بيد أن مبدأ نجاح العواطف والأحلام في تحقيق الثورة، لا يمكن الاعتماد عليه وإسقاطه كما هو على مشروع إنشاء الدولة وبنائها، فذلك تعسف لا تقبله الطبيعة الرومانسية غير الحسابية لتلك الأحلام والعواطف الوجدانية.

إن الأفكار بمنطقها الصلب الصريح، والعقول بحساباتها وأرقامها الحادة القاسية، هي الأداة الفعالة الوحيدة لبناء الدول، وإن أي تأخر أو تلكؤ في استدعاء هذه الأداة واستعمالها، وبدون أي تحفظ، لهو بحق إجهاض لحلم قيام الدولة، وتسفيه لتلك العواطف النبيلة التي دفعت بشهدائنا للتضحية بأرواحهم. ذلك أن شهداءنا لم يكونوا ليضحوا بأرواحهم الغالية لولا أنهم رأوا من خلف حمرة نيران الثورة، خضرة جنان الدولة.

إن كل يوم، بعد نجاح الثورة، نظل فيه ممسكين بأسلحة ثورتنا، وغاضين الطرف عن معاول بناء دولتنا، لهو بحق خذلان لكل من ضحى من اجل قيام الدولة، وهو إشارة سلبية تتراكم بتراكم الأيام، لتنغص علينا أجواء لذة الانتصار، وتملؤنا بخيبة الأمل ومرارة الانكسار.

بمجرد نجاح الثورة هرع الكثير لحمل شعاراتها وارتداء ملابس الثوار وحمل أسلحتهم، وذلك رغم سماعهم صوت صفارة نهاية الثورة الصادح. الآن ورغم أن صفارات بداية بناء الدولة تصم الآذان مأيهة بكل ثائر وشبه ثائر بضرورة نزع لباس الحرب وسلاحها، والإسراع إلى معول بناء الدولة وإقامة نظامها، إلا أن الاستجابة لصفوف البنائين وحمل شعاراتهم وارتداء ملابسهم أضعف بكثير من تلك الاستجابة التي رأيناها لعرس نجاح الثورة والتزاحم الكبير المريب على كعكتها منذ عدة شهور مضت!

بكل خجل وحياء تدعو الحكومة القائمة جماهير الثوار لاستبدال السلاح بالمعاول، والانخراط في جيش بناء الدولة، وبكل تكاسل وتلكؤ يجيب الكثير من الثوار وأشباه الثوار نداء الحكومة!

أكبر وأشد مثبطات استجابة الثوار القليلين وأشباه الثوار الكثيرين لتلبية نداء الحكومة هو مثبط البراجماتية الفردية المقيت، والذي يتركب من مخلوط يحتوي عناصر سامة كثيرة أهمها التعصب القبلي وعدم الثقة في الآخر، شريك الثورة بالأمس،  والشريك الوحيد والإجباري لبناء الدولة اليوم.

ما أحوجنا ونحن نعيش زمان بناء الدولة الخالي من روائح الخوف والموت أن نتبادل نفس الثقة التي كنا نتبادلها ونحن نعيش أجواء الحرب والرعب والموت.

لم نكن (نتشطر) كثيرا ونحن نخوض الحرب ونضحي بأنفسنا في ساحتها، ولكننا الآن نتطرف ونشتط كثيرا من أجل مغنم مادي بسيط، فنعرقل بذلك بناء  الدولة التي كلفت أرواحا لم يجف بعد مداد معاهدتنا لأصحابها ببناء الدولة التي ماتوا من أجلها.

لابد من إعطاء إجازة إجبارية للعواطف والرغبات والعصبيات الضيقة وكبحها إلى أقصى حد، وإطلاق العنان للجدوى ومرادفاتها، تلك الجدوى التي تعتمد على الأفكار والأرقام، ولا تلقي بالا البتة لأي عاطفة أو أضغاث أحلام.   

نسيت أن أنبهكم إلى أننا لازلنا في فصل سنة أولى ديمقراطية، ولم يوقظني من غفلتي هذه سوى صوت أحد الطلاب متسائلا:

ــ هذا كلام عام يعرفه الكثير يا أستاذ. نحن نحتاج إلى برامج عمل، وتوجيهات محددة، وسلطة منسقة ضابطة!

ــ إن برامج وخطط العمل، والتوجيهات والأوامر الملزمة المحددة، والسلطة المنسقة الضابطة هي حواس الدولة وجوارحها، تلك الدولة التي لم تخرج بعد من غرفة الإنعاش. رد المدرس.  

أجل إن دولتنا الليبية في غرفة الإنعاش، وتحت أنظار ملائكة السماء، وأمام عيون سكان الأرض. وحول غرفة الإنعاش يتجمع فريقان؛ فريق جاء ليقدم التهنئة بولادة الدولة الليبية وخروجها معافاة من غرفة الإنعاش، وفريق آخر قوامه تجار الأزمات جماعات ودولات، والذين ينتظرون بفارغ الصبر خروج الدولة وهي في حالة بين الحياة والموت، حيث سيسارعون بإطلاق رصاصة الرحمة عليها، واقتسام لحمها فيما بينهم!

يا أيها الليبيون:

هديتكم إلى دولتكم ليبيا، نزيلة غرفة الانعاش، لا تعدو أن تكون إحدى هديتين:  جرعة شافية من أفكاركم النيرة المتطورة تنقذها، أو كفن من أطماعكم الضيقة يلفها!

محمد الشيباني