الجمعة، ديسمبر 20، 2013

درسان في الكيمياء والحب ............




درسان في الكيمياء والحب، وآ خران في الفوبيا والرعب!


أستاذ الكيمياء الشاب من تكساس أميركا السيد روني سميث قطع آلاف الأميال ضربا في الأرض من أجل أن يتكسب من تعليم الكيمياء. وفي بنغازي ليبيا حط الرجل رحاله، حيث قضى فيها عاما كان هو عمر ابنه الأول، وحيث كان هذا العام هو آخر أعوام عمره القصير، وذلك تنفيذا لحكم محكمة ليلية اتخذ قضاتها من الأشعة فوق الحمراء وسيلة رؤيتهم الوحيدة للبحث في النصوص، وممارسة قطع الرؤوس.

لم يمثل المتهم أمام المحكمة المذكورة، كما لم تخطره هذه المحكمة مسبقا بتهمته التي استحق بها القتل رميا بالرصاص، وهو يمارس الرياضة التي تعود على ممارستها كل صباح، وذلك قبيل تناوله طعام الإفطاره صحبة أسرته الصغيرة الغريبة، كما تعود أن يفعل كل يوم.

المغدور روني سميث في حسابه على التويتر، جاهر بحبه لليبيا والليبيين، حيث أطلق على نفسه اسم: أفضل صديق لليبيا، وهو ما يشي بعدم حمله أي خوف من الليبيين الذين اندمج بهم، ودأب على ممارسة الرياضة في شوارعهم العامة  دونما خوف أو حذر أو توجس.

إن مجرد شعور هذا الرجل بالأمان والاطمئنان، وهو على بعد آلاف الأميال من موطنه، وإظهاره الحب لليبيا والليبيين، وكذا قيامه بتعليم الكيمياء لأبنائهم، لهو علامة وحالة نفسية لا يمكن تجاهلها لمن يريد أن يحكم على سريرة هذا الرجل عندما تحوم حوله شبهة من الشبهات الكثيرة التي تسكن أنفسنا تجاه أي غريب، وخاصة شبهة كتلك الشبهة التي اكتفى بها القاضي، وحولها في ضوء الأشعة فوق الحمراء إلى جريمة تستوجب سفك دم مستأمن على الرصيف.
  
القتل بدون شبهة أو جريمة أو محاكمة وبدون علم القتيل وأهل وجيران القتيل والمجتمع الذي استضاف القتيل وبدون وجود سبب يقنع البشر الموجودين حول القتيل بأن هذا القتيل قد بدر منه ما يستحق تنفيذ هذه العقوبة الشديدة عليه؛ إن القتل بطريقة كهذه، يجعلنا جميعا نتلمس أعناقنا خشية قطعها في أية لحظة بعد الاستناد على سابقة قانونية كتلك!

ولكن لماذا التسرع؟ فربما لدى القاتل ما يكفي من المبررات لاقتراف جريمة قتل إنسان غافل بريئ، وترميل زوجته وتيتيم ابنه؛ وإلا فكيف أقدمت زوجة القتيل على مسامحة القتل والدعاء له ولبلده بالخير، وهو ما فعلته أنيتا سميث بالضبط!
 
أجل، فلم تنه أنيتا سميث أرملة المغدور روني سميث شهر الهم والحزن الأول لفقدان زوجها حتى بادرت البريئة المسكينة بتوجيه كلمة لقاتليه تجاوزت فيها مأساتها، وغمرت القتلة بعبارات السماح والحب!

السيد روني سميت علم الليبيين درسا في كيمياء المواد وكيمياء قبول الآخر وحبه. أما السيدة أنيتا سميث زوجة روني فقد علمت الليبيين درسا بليغا في الانسانية والتحضر.

ذلكما هما الدرسان المهمان اللذان لقننا إياهما كل من روني وأنيتا في كيمياء النفوس وحب الآخر ومسامحته؛ فماذا يا ترى قمنا نحن بتعليمه لهذين الشخصين الغريبين عنا موطنا وثقافة ودينا؟

نحن عموم الشعب الليبي البريء البسيط، أثبتنا لهذين الشخصين ولغيرهما أننا مجتمع إنساني اجتماعي يتعايش مع الآخر ويتعامل معه ويقبله، وهو ما لمسته عائلة سميث وعائلات أجنبية كثيرة عاشت بين ظهرانينا على مدى العصور.

إلا أنه، ويا للأسف، وكما تعلم السيد سميث وزوجته الحب وكيمياء قبول الآخر في بلده أمريكا التي قامت حضارتها على هذا المبدأ الإنساني الرفيع، تعلم البعض من أبنائنا علما آخرا مناقضا تماما لما تعلمه السيد سميث، ألا وهو علم فوبيا الآخر وكرهه، ومن تم قتله!

فوبيا الآخر هي أيضا كيمياء وهرمونات وغرائز ونزوات؛ وإلا فكيف يقدم إنسان على سفك دم إنسان لم يسبق له وإن التقى به، ولم يرتكب في حقه أي ذنب، ولم يبادره بشيء يكرهه؛ بل إنه على العكس من ذلك تراه يتودد إليه، ويقدم إليه يد المساعدة وقرابين الحب والمودة، كما جاهر بذلك روني سميث؟!  

أجل، إنه الغدر والخيانة وليدا كيمياء الفوبيا التي تفعل الكثير في دماغ صاحبها، لا سيما وأن صاحبها هذا قضى عمره كله منقوعا في بلاد حكمها دكتاتور قضى العقود مرسخا لعادة الثأر القبلي البدوي الكريهة، وهي عادة يكتفي صاحبها بمجرد شم رائحة من يطلب ثأره منه، ولو تعلقت هذه الرائحة بجنين أو رضيع. لا يهم!

السيدة أنيتا سميث الحاملة لكيمياء التسامح رأت دم زوجها المغدور، فقالت: أتمنى أن يكون ﺩﻡ زوجي رﻭني المسفوك على الأرض الليبية سببا لنشر ﺍلسلاﻡ ﻭﺍلمصالحة بين أبناء الشعب الليبي!

أما قتلة روني الفوبيائيون فلابد أنهم رأوا دم روني على هيئة أخرى تختلف تماما على الهيئة التي رأته بها روني ومن سواها من عموم البشر الذين يرون دماء المظلومين بعضا من دمائهم هم!

تعداد سكان أمريكا، ركيزة العالم الحضارية الأكبر، ربما ناهز أو زاد عن الملايين الأربعمائة، وإذا ما أخذنا بأحكام المحكمة الجائرة التي حكمت على أستاذ الكيمياء والحب بسفك دمه فوق تراب فويهات بنغازي رباية الدائح،  فإنه يتحتم علينا وضع كل تلك الملايين الأربعمائة وما يحملونه من حضارة تحت مقصلة ذلك القصاص الأحول المريض!

لا أستطيع أن أفهم، وإذا فهم أحدكم شيئا فليتطوع ويفهم الجميع هذا الدرس الملغز الصعب!

ما أخزى الضغط ظلما على الزناد، وما أشرف تعليم وتنوير وإفادة العباد!   

محمد عبد الله الشيباني
aa10zz100@yahoo.com

Libyanspring.blogspot.com

الثلاثاء، ديسمبر 17، 2013

أزمة الوقود

أزمة الوقود أورام ظاهرة لجروح غائرة!

بعد جرح الكهرباء الذي ينخر جسم العاصمة بلا توقف طوال الشهور والفصول، ها هو جرح آخر من كثير الجروح الغائرة المتخللة جسم الدولة الليبية في مرحلتها الانتقالية الراهنة، وهو جرح انفجر مؤخرا وكشف عن فظيع ما في باطنه من صديد، وما تكدس فيه من أورام.

الدمامل الخارجية الظاهرة لجرح سوء إدارة تخزين الوقود وتوزيعه انفجرت أخيرا وعربد لهيبها حتى غطى العاصمة وما جاورها من مدن، وكتب بأحرف حمراء صارخة ما قرأناه جميعا وعلى مدى أيام طويلة من إشارات مرعبة تشي بعجزنا حتى درجة الشلل في إدارة نشاط بسيط بساطة توزيع وتسويق مادة تكتظ بها مخازننا إلا أننا نقترف عجزا مخزيا عن مجرد مناولتها وتصريفها.

مسئولية الحكومة إزاء مشكلة كهذه لا أراها تتعدى حد مسئوليتها عن تعيين ومراقبة المدير الذي أوكلت إليه إدارة تخزين وتسويق هذه المادة الاستراتيجية.

هذا المدير، وبدل أن يتحمل مسؤولية ما حدث، رأيناه يخرج علينا أكثر من مرة مخليا مسؤوليته عن كل ما جرى، وليقذف بهذه المسؤولية بعيدا عنه، ونحو شركات أخرى صغيرة هجين من القطاع العام والخاص كشركة الراحلة والشرارة وغيرها، وهي شركات خرجت من عباءة شركة البريقة لتسويق النفط، وربما تملكها وتشرف عليها شركة البريقة نفسها. إلا أن هذه الشركات قامت بدورها بقذف المسؤولية تجاه أصحاب محطات الوقود الغلابة، والذين بدورهم قذفوا بالكرة نحو آخرين؛ منهم ما هو كبير كشركة الكهرباء، ومنهم ما هو صغير، أو هكذا يبدون، من صانعي الأزمات وتجارها، الأنيق منهم والصفيق، وهم كثيرون هذه الأيام!

أزمة أو جريمة اختفاء الوقود الأخيرة هي واحدة من مجموعة الجرائم الكثيرة التي تقع الآن على طول البلاد وعرضها، والتي تبدأ من التصفيات الجسدية اليومية الممنهجة، وربما لن تنتهي بجريمة سوء إدارة تأمين الوقود وحسن توزيعه التي طالت كل سكان العاصمة وما حولها، وكل هذه الجرائم أو معظمها يسجل ضد مجهول، أو في أحسن الأحوال يتوزع دمه بين القبائل!

ستنتهي الأزمة الحالية لوقود العاصمة بعد أن تحدث الشرخ النفسي الغائر وتجر الكثير من الخسائر في الأموال وربما الأنفس، وسيعود كل شيء إلى سابق عهده السيء؛ فلا تحديد لأسباب ، ولا تحميل لمسؤوليات، ولا تجديد لأساليب إدارة عقيمة.

إذا حدث ذلك فسأدين الحكومة ليس على تسببها فيما حدث فحسب، بسبب تسيبها في اختيار ومراقبة المدراء، ولكن على سكوتها على ما تسبب فيه المدراء وسوء إدارة المدراء .   

محمد عبد الله الشيباني
aa10zz100@yahoo.com

Libyanspring.blogspot.com

السبت، ديسمبر 14، 2013

خلغ فوانيس

خلع فوانيس طريق عرادة؛ سفه القرار، وعبث الإجراء!

أبرز ما اعتدنا عليه طوال عقود الجماهيرية هو سفه القرار وعبث الإجراء، وهما حالتان ظلا مقترنين بشكل ظاهر بأعمال كثيرة تقوم بها الدولة السابقة ومؤسساتها المختلفة. ولأن تلك الدولة أدمنت ذلك، فكذلك نحن أيضا، المواطنين البسطاء المغلوبين على أمرنا، أدمنا التعاطي مع هذه الظاهرة والتعايش معها وقبولها على أنها نتاج طبيعي لنظام إدارة عقيم متفرع من نظام سياسي فردي غير شفاف أشد عقما. أدمنا ذلك، وتعودنا عليه، ولم نكن ننتظر انتهاء ظاهرة سفه القرار وعبث الإجراء تلك إلا بعد جفاف منابعها وقطع جذورها الضاربة في نسيج النظام الإداري والسياسي العام للدولة الدكتاتورية ككل.

الآن، وبعد جفاف تلك المنابع، وتيبس جذور ذلك النظام، وتولي كوادر جديدة أخذت على عاتقها اتخاذ القرار الحكيم وممارسة الإجراء الجاد الصائب الصحيح، يصبح من الصعب على المواطن العادي استيعاب ما يراه من تكرر تلك المظاهر البائسة التي تضمنت فاتورة إزالتها أرقاما كبيرة من أنفس ومقدرات.

طريق عرادة من أهم شرايين الجناح الشرقي للعاصمة طرابلس، وهو شارع شهد مظاهرات فبراير 2011 الدامية، والتي كان من أهم دوافع قيامها هو الثورة على نظام أدمن سفه القرار وعبث الإجراء، وجعل شارعا كذلك الشارع الرئيسي الهام في منتهى التخلف والبؤس؛ حيث لا صيانة دورية رشيدة تصلح من أحواله، ولا شبكة صرف صحي تستوعب مستنقعاته.

مضت ثلاث سنوات إلا قليلا على مرور تلك المسيرات المشهودة التي عبرت ذلك الشارع، وسيحي قريبا أولئك المارون الثائرون على سفه القرار وعبث الإجراء ذكرى مرو ثلاث سنوات على استشهاد العديد من إخوانهم شهداء مسيرة طريق عرادة في فبراير 2011، إلا أن طريق عرادة ظل على ما هو عليه، وربما أسوأ مما كان عليه؛ فلا حفر سويت، ولا شبكة صرف صحي أصلحت، ولا أحلام شهداء تحققت.

الشيء الوحيد الذي حدث في طريق عرادة بعد عامين من الثورة على العبث والسفاهة، هو قيام شركة الكهرباء، بإنعاش ذاكرتنا وشحنها من جديد بكوابيس العبث والسفاهة التي ظننا أن فاتورة الدم المراق على طريق عرادة وغيره من طرق، تضمنت ضمن ما تضمنت وقاية عقولنا وأبصارنا من تكرار تجرع ظاهرة سفه القرار وعبث الإجراء.

أجل، وبرغم أن طريق عرادة هو بحاجة إلى توسيع وصيانة ومد شبكة صرف صحي، وغيره، إلا أن شركة الكهرباء الحكومية فاجئتنا بعمل ما لا يكن يحتسبه عاقل: خلع أعمدة النور التي تزود هذا الطريق بالضوء، وتركها في نفس المكان الذي خلعت منه!


لماذا؟ لا أحد يعرف، ذلك أن الأعمدة المسكينة قائمة في مكانها، وهي تمنح الشارع الضياء سنوات طويلة، ولا ينقصها إلا المتابعة الدورية باستبدال أرخص جزء فيها، وهو المصباح، ولا شيء غير ذلك!

أجزم أن وزير الكهرباء الذي أحسب أن عبث القرار وسفه الإجراء كانا من أهم دوافعه لمناهضة النظام الدكتاتوري السابق، وربما كان ذلك أيضا من دوافعه لقبول التحدي بحمل مسؤولية إدارة مرفق الكهرباء.. أجزم أن هذا الوزير لو مر من طريق عرادة، وشاهد بنفسه المذبحة غير المبررة لفوانيس طريق عرادة، وكذا عدم مواراة سوأتها، لنال منه هذا المشهد ما ناله مني ومن كل مواطن حسب أن الدنيا تغيرت، وأن عادة سفه القرار وعبث الإجراء ذهبت إلى غير رجعة.

كلا. لا زال قرارنا سفيها، وإجراؤنا عابثا، وذلك رغم قيامنا بسداد فاتورة إزالة السفاهة والعبث الباهظة التكاليف. من لم يصدق فليزر طريق عرادة المظلم، ويقرأ الفاتحة على فوانيسه الموؤودة بلا ذنب اقترفته.


محمد عبد الله الشيباني
aa10zz100@yahoo.com
Libyanspring.blogspot.com


      

الخميس، ديسمبر 12، 2013

قد تحررنا ..............

قد تحررنا وكبَّلنا الوطن! ليبيا ليبيا

مسكين وطننا ليبيا، وذلك لأنه مكبل وعلى الدوام بأيدي أبنائه الذين يتفنون في وسائل تكبيله وخيانته وغشه، وذلك بممارسة لقمه بلسم التحرر الذي وصفه له الحكيم ولكن بتركيبة مزورة مغشوشة، وعلى المفضوح دونما مواربة أو استتار.

"أنا من حرركم"، كلمة رددها كثيرا ولمدة عقود أربعة دكتاتور الجماهيرية البائدة، وها هم يفعلون الشيء نفسه ورثة تلك الجماهيرية، وهم يلقموننا ويلقمون الوطن بلسم التحرر المزور المغشوش، ليصير ذلك البلسم سكاكين تمارس ذبح الوطن ليل نهار.

لم تُرفع سكاكين الجماهيرية من على عنق الوطن حتى بليت تلك السكاكين بفعل الزمن وهلاك حاملي تلك السكاكين. ثم ظهر بعدهم وعلى الفور محرورون بل ذابحون جدد يحملون سكاكين جديدة مهجنة أكثر إيلاما وأشد فتكا.

كلنا الآن يحمل سكينا يذبح به الوطن من المكان الذي يليه، وحتى من لم يمارس فعل الذبح المشين نراه يمهد للذابحين فعلهم، ولو بسكوته عن شنيع ما يصنعون!

قد لا يكون الأمر على هذا النحو البشع، الذبح! وذلك من وجهة نظر محرري الوطن أو ذابحيه؛ ذلك أنه ما من أحد من هؤلاء الذابحين يمكنك إقناعه بأنه يحمل سكينا يمارس به ذبح الوطن المكبل؛ إذ لا يمكن أن يقوم بذبح الوطن من يتغنى بتحرير الوطن ليل نهار، ويردد نشيده المعروف المتضمن الشهادة المؤكدة: قد تحررنا وحررنا الوطن. حقا لا يمكن ذلك!

هي السادية وربما التدميرية إذن؟ كلا، إنها مرض آخر بصيغة ليبية جديدة وبتقنية مبتكرة تنفذ إلى الهيكل الجيني للوطن وترغمه على استيلاد أوطان متعددة بمقاسات ومواصفات معينة ووفق طلب الزبون المشحون بالقوة والأيديولوجيا وحتى بالهرمونات المعربدة.  وبذلك يمسخ الوطن الواحد ويصير أوطانا كثيرة وفق  الرغبات والطموحات القبلية والأيديولوجية والشللية، بل الغريزية والأنانية!

لم تكن ليبيا لدى القذافي الذي أدمن ادعاء تحريرها طوال عقود حكمه الأربعة سوى ذلك المكان الضيق الذي يأمن فيه الحاكم الفرد على نفسه وعائلته وقبيلته وشلته، وهو مكان أدمن فيه الدكتاتور تحرير أو ذبح الوطن على الطريقة التي راقت له، ثم ما لبث أن تحول هذا الإدمان إلى مرض جعل ليبيا الشاسعة في عين دكتاتورها لا تتعدى مساحتها مساحة تلك الماسورة التي تمترس فيها ذلك الدكتاتور مدافعا عنها بكل ما يملك، وحيث  خسر هنالك كل ما ملك.

بنفس حجم ماسورة القذافي، ها هي تتشظى ليبيا الآن، وها هم الليبيون يتمترسون جميعهم في أقصى درجات التوثب والاستعداد مدافعين عن أوطانهم الصغيرة، أو قل دُماهم الأثيرة المصنوعة من نسيج نزعاتهم القبلية والشللية والعقائدية المغلفة زورا وبهتانا بحب الوطن الكبير ونشيده وشعاره.

نعم. كلنا يحمل دمية صغيرة ألبسها علم ليبيا، ولقنها نشيد يا بلادي  المعروف مع تحريف حرفي بسيط، ولكنه ذو خطر جسيم محيط:

قد تحررنا وحررنا الوطن!
كلا. إننا تحررنا فكبلنا الوطن .. ليبيا ليبيا.

محمد عبد الله الشيباني
aa10zz100@yahoo.com
Libyanspring.blogspot.com



الاثنين، ديسمبر 09، 2013

الكوبيات

"الكوبيات اللعينة" ها هي تدك بنيان الوطن!


المجموعات، أو الكوبيات بأنواعها الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية المختلفة، تمثل أبرز تضاريس لوحة المجتمع الليبي، تلك اللوحة التي هي الآن في أبشع أشكال تشظيها واختلافها وتناقضها، وذلك بما تحويه من جزر متناثرة تسكنها قبائل سياسية، وأحزاب قبلية، وتشكيلات عسكرية، وحتى روابط، وجمعيات، وغير ذلك من أجسام الطفرة و"الطهقة" ذات الطلاءات والشعارات الثورية التي تولدت عن الثورة أو الفورة، وتشكلت على عجل على حواف التشققات العميقة التي أحدثها زلزال الحرب الأخيرة بين الحاكم ومواطنيه، وهي الحرب التي استنفذ فيها ذلك الحاكم قبل سقوطه كل حيله الشيطانية في جعل ليبيا من بعده جبلا من شظايا، لا يتشكل منه بناء، سوى ما كان على شاكلة مثلث برمودا!

على طبق التنوع والتعدد وبمبرره نما وتمدد الجيل الفبرايري الحديث من الكوبيات، وارثا جينات سلفه الجيل الجماهيري. وعلى إيقاع الثورة والتغيير صنعت الكوبيات طعومها القاتلة التي التقمها الليبيون البسطاء، وحسبوها منتجا ديموقراطيا حديثا لابد من التعاطي معه وقبوله مهما علت تكلفته.

تكاليف الكوبيات فاقت المعقول، بل إنها أصبحت عللا وأسقاما جسيمة عبثت بمخرجات العملية الديمقراطية؛ من مؤتمر وطني، وحكومة، ومؤسسات مجتمع مدني. وبدل أن تعبر هذه المنتجات الديمقراطية بالبلاد من حالة الثورة والفوضى إلى حالة الدولة والنظام والاستقرار، وجدناها بسبب فيروس الكوبيا المهجن الذي سكنها،  تقصر عن أداء ما كان مأمولا منها، بل إنها عملت في عكس اتجاهه.
   
ورغم أن كائن الكوبيا في شكله المشهور المعروف، هو جسم مستهجن اجتماعيا، ومجرَّمٌ أخلاقيا وقانونيا، ويمارس عمله في الخفاء داخل الحدود الضيقة التي يتيحها له تكوينه الكوبيائي المنعزل؛ إلا أن نموذج الكوبيا الليبي الوقح خرق هذه القاعدة، فاعتز بإثمه، وجاهر بكل منكرات الكوبيا وبوائقها، منتهزا ظروف البلاد الاستثنائية الصعبة.

وحتى إذا ما بدا هذا الفيروس الكوبيائي أنيقا نبيلا، وذلك باتخاذه الأشكال المألوفة للكيانات الاجتماعية والسياسية والدينية المقبولة، إلا أنه لا يفعل ذلك إلا تقية أو استنادا إلى فقه التمكين، وذلك لكي يسهل عليه المرور من بوابات وصمامات المجتمع الموصلة إلى مفاصله وأماكنه الحساسة، حيث يسهل عليه هنالك فعل ما يريد.

ولأن الكوبيا تعرف جيدا أن النخبة في تكوينها الطبيعي الحر هي عدوها الحقيقي، عمدت الكوبيا إلى إفساد موسم ولادة النخبة الذي أيقظ أجنته ومنحها رعشة الحياة الهبوب المفاجئ لنسائم الربيع الديمقراطي، والتي هبت على ليبيا بعد انتظار مرهق امتد لعقود طويلة.

موسم تكوين النخبة في أوائله كان واعدا، إلا أن الوباء الكوبيائي تمكن من إجهاضه مستخدما، كما هو ديدنه، تقنية المكر والتلبيس والخداع التي يتقنها؛ ففي شهور عسل الثورة، وتحت إيقاع ألحان التغيير العذبة المثيرة، أعمل الفيروس الكوبيائي سكاكينه التي أطلق عليها أسماء رنانة من مثل؛ الفرز الأيديولوجي، والعزل السياسي، ومتابعة المحسوبين على النظام السابق(الأزلام)، وغير ذلك من أسماء، لم تخطر على بالنا، ولم نتداولها، ونحن نعيش أجواء الثورة.

وبكل أسف، فإن أكثر ضحايا هذا الاجتياح الكوبيائي كانت النخبة! ألم ينجلي غبار تلك المعركة الخبيثة عن تصفية مقننة  لشخصيات نخبوية بارزة داخل المؤتمر الوطني نفسه من مثل؛ المقريف، ونائبه عتيقة، وحسن الأمين، وربما الكثيرين غيرهم من كائنات نخبوية، خنقت أنفاسها أدخنة النفير الكوبيائي السامة، ووارتهم أغبرته وأتربته السوداء الكثيفة.

وإذا كان المتهم الأول في جريمة إفساد موسم ولادة النخبة الليبية، هي الكوبيا في شكلها السيء المعروف، وهو ليس أمرا غريبا أو مفاجئا، إلا أن الغريب والمحزن حقا هو تشكل كوبيا أخرى نبيلة من أفراد محسوبين على الثورة تمكنوا من الالتحاق المبكر بركب الثورة بعد رجوع بعضهم من ديار الغربة، أو بعد نفض تراب الاغتراب المحلي من على رؤوس بعضهم الآخر، وحصولهم على الفرصة الذهبية في التواجد في أماكن تعين على بناء صرح الثورة ومن بعدها الدولة من لبنات النخبة الحقيقية، وذلك قبل عصف موجة ذلك التدافع الغريزي الفاضح على غنائم الثورة. بعض هؤلاء اكتظت بهم منصة الاحتفال بيوم التحرير، والذين بقدر ما عجزوا عن مجرد صياغة خطاب يليق بيوم التحرير، عجزوا أيضا في مخاطبة النخبة التي كانت تنتظر إيعازا منهم يجمع صفوفها ويوحد إيقاع سيرها.  إن خطابا بأهمية خطاب التحرير، كنت أتوقع وغيري دعوة كل كتاب الوطن ومفكريه إلى المشاركة في إنشاء كلماته!

رغم أن التحديات التي واجهت انقلاب القذافي أو ثورته، كانت أقل بكثير من التحديات التي واجهت ثورة فبراير، إلا أن القذافي كان أذكى من المزدحمين في مطبخ الثورة، حيث اتجه بسرعة وبقوة نحو بناء نخبة نظامه، وذلك بمجرد استتباب الأمر له؛ ندوة الفكر الثوري، ورابطة الطلبة الوحدويين الناصريين العرب، وربما غيرها كثير، من أمثلة الأجهزة المبكرة لصناعة نخبة سبتمبر. أما الأجهزة المتأخرة  فكانت أكثر من أن تحصى!  

إذا لم تكن للكوبيا اللعينة والنبيلة من أفعال ضارة سوى إفساد وإجهاض موسم ولادة النخبة فكفاها؛ إذ لا يمكن للثورة التحرك خطوة واحدة ونخبتها مهملة مشتتة منهزمة، وربما مطاردة ومجرمة. ليس ثمة من سبب يمكن أن نعزو إليه ما عليه أوضاعنا الحالية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الأمنية من بؤس، سوى خصوبة أرحام ولادة مخلوقات الكوبيا الطفيلية الضارة بأشكالها وألوانها المختلفة، وفي المقابل جفاف وعقم أرحام ولادة النخبة، تلك الأرحام التي يبدو أنه قد تم استئصالها بالكامل!

أبشع نشيد جنائزي ينشده بعض الكوبيائيين على نعش ليبيا الثورة هذه الآونة، هو ذلك النشيد النشاز المخزي، والذي تعلو فيه أصوات التشنيع على من قضى عمره محاربا للدكتاتورية، وتضعه هو ومن مارس الديكتاتورية في سلة واحدة. ثم، وفي نفس المقطع من هذا النشيد النشاز، نجد هذا الكوبيائي يبرر للقطاء الثورة المدعين لها شعارا، والمحاربين لها مسلكا ومسارا، ما يقومون به من أعمال إجرامية شنيعة! وذلك بحجة حاجة الكوبيا أو القبيلة أو الكتيبة أو الحزب لخدمات أولئك الفاسدين من أعضاء هذه الكوبيات. وبهذا تحولت الكوبيا الليبية، الصفيقة منها والأنيقة، إلى مافيا ليبية لها قوانينها الخاصة التي لا تأبه إلا بمصلحة أفرادها، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالمثل والقيم، وحتى الوطن بكامله.

على مدى العامين الماضيين وجد المخلوق الكوبيائي بيئته المثالية في التورم والانتفاخ، وها نحن نراه الآن في أبشع صوره وهو يمزق الوطن ويعبث بأمنه ومقدراته ويضرب بتضحايته عرض الحائط، بل وصل الأمر حد تفتيت الدولة وتجويع شعبها.

لا شيء أفضل وأجدى في هذه المرحلة الحرجة من خلع كل اللافتات المرفوعة الآن، ورفع لافتة واحدة فقط مكتوب عليها: إنقاذ ليبيا وتطويرها.

وإلا فلنجهز لافتة مكتوب عليه: هنا كانت توجد بلد اسمها ليبيا !!!!!!
 
محمد عبد الله الشيباني
aa10zz100@yahoo.com

Libyanspring.blogspot.com