الخميس، يونيو 07، 2012

مانشيتات انتخابية



أخي المواطن الليبي الكريم، ها قد امتلكت صوتك، فاحرص قبل منحه أن تعلم ما يلي:

1 ــ  صوتك هو بصمتك وشفرة جينتك، وهو بهذا غير مكرر ولا ينبغي لأحد سواك.
2 ــ صوتك ملحق باسمك، فاحرص على أن تربط اسمك بكلمة أمين وليس كلمة خائن.
3 ــ صوتك هو شطر كيانك المعنوي ومقياس رجولتك ومرآة شخصيتك.
4 ــ من ساومك صوتك فقد ساومك عرضك.
5 ــ سوق بيع الأصوات هو سوق رقيق العصر الحديث.
6 ــ بيعك لصوتك بيع لمستقبل أبنائك الذين تحب، وثمن صوتك سحت تطعمهم إياه.
7 ــ بيعك لصوتك تحقير لدماء الشهداء الذين بذلوا أرواحهم من أجل أن يكون لك صوت لا يقيل البيع.
8 ــ من أعطيته صوتك بحقه فقد بايعته ونلت بذلك درجة المبايع.
9 ــ يوم إدلائك بصوتك هو يوم تساويك مع كل من هم أعلى منك سلطة وأكثر مالا، فاجعل يوم إدلائك بصوتك يوم ارتفاع قدرك.
10 ــ الوطن ملك مشاع للجميع، وصوتك غير القابل للبيع هو الوثيقة الوحيدة التي تثبت ذلك.  
11 ــ صوتك درجة من درجات سلم الولاية الكبرى ورئاسة الدولة، وإن بيع صوتك إلغاء لهذه الدرجة، ومن تم فهو مدعاة لسقوط صرح الدولة وتهاويه.
12 ــ  صوتك إثبات لمواطنتك وتأكيد لها.
13 ــ صوتك دعوة للشهادة، فلا تكن شاهد زور.
14 ــ صوتك هو شرف والشرف لا يباع.
15 ــ منحك صوتك لمن لا يستحق، ظلم صارخ لمن يستحق.
16 ــ صوتك منه تنشأ السلطة التي تحكمك، فأحسن وضعه، يحسن من يحكمك.
17 ــ صوتك صانع القوانين، فلا تصنع به المقاولين.
18 ــ إعطاء صوتك لصديقك أو قريبك الذي لا يستحق، توريط له في مهمة لا يستطيعها، وتبشير له بالفشل.
19 ــ ندمك عند اكتشاف سوء من يحكمك لا يعوضه أي ثمن مهما علا، ووخز الضمير لا تسكِّنه الدنانير.    
20 ــ إذا أمَّرت من لا يستحق، فقد أمَّرت المرتزق.
21 ــ صوتك صيتك، فبأي ثمن تبيع صيتك؟
22ــ من باع صوته باع بلده، ومن باع بلده فلا موطن له.
23 ــ انتخابك من يزيد، انتخاب بنكهة التصعيد.
24 ــ لا تجعلوا يوم الانتخابات يوم سوق الأصوات.
25 ــ ستلعن على رؤوس الأشهاد، لو عرضت صوتك في مزاد.
26 ــ هيا نحول صناديق البارود إلى باقات ورود.
27 ــ لا مناص من إخماد صوت الرصاص.
28ــ بطاقتك الانتخابية صفحة من صفحات دستور ليبيا، وبيعك لهذه البطاقة تسويد لصفحة من صفحات هذا الدستور.  
29ــ الحكومة القادمة سيصنعها صوتك، ومنح صوتك لمن لا يستحق، إتيان  بحكومة لا تستحق.
30ــ بيع صوتك الانتخابي، مكسب لكل مرجف وخائن وإرهابي.   
31ــ ضع بطاقتك الانتخابية تحت عدسة المجهر تجدها تتضمن عشرات ألوف المربعات، ووسط كل مربع عين شهيد تراك ولا تراها.
..........................................
.................................................
.......................................................... الخ
   
هذا وبعد أن فرغ المترشح الرشيد من عرض مانشيتاته الانتخابية على جمهور الناخبين، أبدى الناخبون ارتياحهم لما تضمنته هذه المانشيتات، وطلبوا من عضو المؤتمر الوطني المحتمل الجلوس إلى مائدة حوار انتخابي تفضي إلى مزيد معرفتهم بالعملية الانتخابية، فقبل المترشح الدعوة، وبدأ الحديث قائلا:

معظمنا يعلم أن رحلتنا الطويلة المضنية من أجل الثورة على الاستبداد والدكتاتورية لم تبدأ في فبراير 2011 ، ولكنها بدأت منذ فترة طويلة ربما جاوزت أربعين عاما، قضاها الشعب الليبي رافضا لمحاولات الدكتاتور القذافي مصادرة كرامة المواطن الليبي، ومنعه حقه  المقدس في أن يكون ناخبا حرا رشيدا يختار حاكميه بإرادة غير معيبة.

خلال هذه الفترة الطويلة سخر القذافي كل إمكانيات ليبيا من أجل تزوير إرادة الناخب، وصنع الكثير من أصناف سلب الإرادة. وتأتي نظريته الثالثة، أو ما يعرف بسلطة الشعب في مقدمة هذه الأصناف.

وعلى الجانب الآخر سعى الغيورون على كرامتهم من أبناء الشعب الليبي في محاربة هذا النظام الدكتاتوري الغاشم بكل الوسائل الممكنة، وخاضوا معارك غير متكافئة مع حاكم يرى في نفسه نصف إله، ويرى في شعبه أنصاف بشر، وربما أدنى، حتى كانت ملحمة فبراير الشهيرة التي أرجعت القذافي إلى بشريته، وردت للإنسان الليبي انسانيته المغتصبة لما يزيد عن أربعة عقود.

كلمة " الناخب" هي أشد ألفاظ قاموس السياسة التي كانت تغضب دكتاتورنا السابق وتثيره، فسعى بكل ما يستطيع من جهد من أجل تشويه هذه الكلمة وطمسها، وناضل كثيرا لإيجاد مرادف لها، ولما بلغ به الجهد حده، تقيأ مرادفا نشازا، ضمته عبارة تحوي أربع كلمات لا تمت أي منها بأية صلة لكلمة الناخب، بل إن هذه العبارة استخفت وأنقصت من قيمة المواطن الذي أجبر على حملها والتسمي باسمها؛ ألا وهي تلك العبارة السيئة الصيت، " عضو مؤتمر شعبي أساسي"!

" عضو مؤتمر شعبي أساسي"، عبارة طويلة ركيكة لا تفوح منها أية رائحة من روائح الديمقراطية، ولا يظهر عليها أي ملمح من ملامح عزة الناخب وسموه. 

وكما هو معلوم، فقد صنع القذافي متاهة من الكلمات السياسية الممجوجة، واخترع شبكة من الإجراءات التنظيمية العقيمة، كما أهدر الأموال والأوقات، وذلك لا لشيء إلا لتفريغ كلمة الناخب من محتواها.

ــ لماذا؟

ــ لأن تفريغ كلمة الناخب من محتواها يسهل عملية سرقة أصوات الناخبين، ومن تم وضعها في الصندوق الذي يريده سارق السلطة.

ــ ولكننا انتصرنا على السارق الحصري للأصوات القذافي، ودفناه إلى الأبد في بحر الرمال، ولن نتعرض بعد الآن لسرقة أصواتنا.

 ــ كلا، فالمشكلة لا زالت قائمة، وفيروس سرقة الأصوات، كأي فيروس آخر، يتطور بتطور الظروف المحيطة.

ــ حقا؟

ــ نعم.

ــ هذه مصيبة، لا سيما أننا دفعنا الكثير من أجل استرداد تاج الناخب الذي اغتصب منا عقودا طويلة، والذي لم نفرغ بعد من مسح غبار المعارك عنه. تلك المعارك التي كلفتنا كما هو معروف عشرات آلاف الضحايا، ووضعت البلاد كلها في أتون حرب شاملة أكلت الأخضر واليابس.

ــ وهل فعلنا كل ذلك من أجل هذه الكلمة الصغيرة النحيفة، الناخب؟

ــ أجل. فلو أردنا اختزال كل الشعارات التي رفعناها خلال حربنا الطويلة ضد الطواغيت، لوجدنا أن كلمة الناخب بمعناها الحقيقي تتسع لكل الشعارات التي رددناها وتختزلها.

ــ ولكن هل يعلم المواطنون العاديون البسطاء، محدودو الثقافة والإدراك، وهم كثيرون، بأن أصواتهم الانتخابية على هذا القدر من الأهمية والخطورة؟

ــ غالب الظن لا.

ــ هذا مرعب حقا، وربما استحق التنبيه إليه والتحذير منه؟

ــ حقا، فالجهل بهذا الأمر الخطير يؤدي إلى أعظم المصائب، وأية مصيبة أعظم من أن يتولى سارقو الأصوات وسالبو الإرادات مسئولية قيادة الدولة وحكمها.

ــ سارقو الأصوات وسالبو الإرادات. ما أبشعه من وصف!

ــ نعم، ولكن الأبشع من هؤلاء، أولئك المستخفون بأصواتهم، المتاجرون بكرامتهم وإرادتهم.

ــ تعني الناخبين؟

ــ أجل. ومن غيرهم!

ــ أخبرنا ماذا نعمل، نحن معشر الناخبين، حتى نتلافى هذه المصيبة؟

ــ بسيطة. نقوم منذ اللحظة بالإعلان عن القيمة الحقيقية لصوت الناخب، والطلب من كافة حاملي هذه الأصوات عدم بيع الصوت إلا بثمنه، ونحرم على مقتني هذه الأصوات اقتناءهم أي صوت إلا بثمنه الحقيقي والعادل.

ــ كأنك تدعو إلى ميثاق شرف يقسم فيه كل ناخب بأغلظ الأيمان على البر بحق الانتخاب، وأن لا يضع صوته إلا لمن هو أهل له.

ــ أجل.

ــ عدت بي إلى المربع الأول!

ــ كيف؟


ــ لابد قبل الدعوة إلى الميثاق الذي ذكرت من التأكد من الأهلية الثقافية والأخلاقية للناخبين. إذ لا قيمة للمواثيق والناس في جهل عميق.

ــ هذا صحيح، ولكن أخبرني عن أقصر المسارب لتوعية الناخب.

ــ الطريق المبين لتبصير الناخبين هو تعريفهم بقيمة صوتهم الغالي الثمين.

ــ وما هو في تقديرك الثمن المناسب لصوت الناخب؟

ــ ليس هناك من ثمن لصوت الناخب سوى منحه للحاكم المناسب.

ــ حقا إن هذا الثمن لا يضاهيه ثمن!

ــ ولكن ذلك يحتاج إلى ناخب رشيد حر الإرادة. أليس كذلك؟

ــ بلى.

ــ كأنك تشترط ضرورة ترشيد الناخبين، وتحرير إرادتهم قبل دعوتهم إلى الانتخابات؟

ــ بالضبط، ولذلك تلوت عليكم مانشيتاتي الانتخابية عاليه.


محمد الشيباني

ليست هناك تعليقات: