الجمعة، يونيو 24، 2011

ادركوا جرعتكم



كلمتان أدين في معرفتي بعلاقتهما بالقذافي للدكتور محمد يوسف المقريف، من خلال مقالاته العتيقة عن الدكتاتور المعمر، القذافي،  وهاتان الكلمتان هما: الدجال، والملهاة.

أما كلمة الملهاة، والتي تعني كل ما يتلهى به الإنسان، ويجد فيه متعته وقضاء أوطاره، وربما ما شذ وطغى من نزواته وغرائزه، فليس هناك كلمة أخرى تنافسها في تحديد مدلول كلمات المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والسلطة الشعبية والحكم الشعبي والمسيرات الشعبية، آخرها مسيرة سبها ولذيذ تلهي القائد بها، وذلك لدى محرر الشعوب، معمر القذافي. وإني لأجزم أن نظام القذافي وأبواقه سيحرزون المركز الأول عالميا، سجل جينز مثلا، في درجة استعمال كلمة الشعب ومشتقاتها، هذا الاستعمال المفرط والمتعسف والمتكلف جدا.

أما فيما يخص كلمة الدجال، موضوع المقالة، فهي كما يعرف الجميع، تطلق على مخلوق يأتي في آخر الزمان، يدعي الربوبية، ويدعو الناس إلى عبادته وتأليهه، تماما كما يفعل الآن معمر القذافي، والذي أعتقد أنه الجرثومة المعالـَجة لتكون لقاحا، لمن يريد، ضد الإصابة القاتلة بفيروس المسيح الدجال في صورته الحقيقية، حفظ الله الجميع شره.

الدجال الحقيقى يدَّعي الربوبية، أما جرثومته ونسخته المصغرة، معمر القذافي، فيقول أنا المجد. وفي القرآن" وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد"،  وفي الإنجيل: المجد لله في السماء.

الدجال الحقيقي يوغل في دماء من لا يؤمن به ويصدقه، وها هو جرثومته، الدجال القذافي، يوغل في دماء كل مواطن ليبي، يقول له كفاك استعلاء وتسلطا لأكثر من أربعة عقود.

الدجال المنتظر يوهم ضحاياه بقدرته على الإحياء، وتحقيق الخوارق. والشيء نفسه فعله ويفعله القذافي، وذلك عندما يتعمد الظهور في أنه صاحب الكلمة الأخيرة في تحديد مصير من وقع بيديه، فيحييه ويسعده إن مشى على أربع، وجثا أمامه في خيمة الدجل والبهتان، وما أكثر من فعل ذلك، أو يشقيه، وربما ينهيه، إن قال ربي الله.

المسيح الدجال تظهر على جبهته كلمة كافر، أو آيس من رحمة الله، ولا يرى هذه الكلمات إلا من لامس الإيمان قلبه. والقذافي لا يحتاج المؤمن المتمعن في عينيه، وتقاسيم وجهه، إلى كثير عناء في إدراك أنه البروفة الأخيرة للدجال الحقيقي المنتظر، وأنه آيس من رحمة الله.

ليس ثمة شك في أن القذافي، هو آخر الديناصورات الدكتاتورية، وأن أمر انقراض سلالته مرهون بنهايته التي باتت قريبة، وهو ما يدعو إلى اغتنام فرصة بقائه القصيرة هذه، وبذل كافة الجهود من أجل استخلاص لقاحات دجالية كافية،  تفيد الكثيرين ممن سيقدر لهم الابتلاء بالإصابة المحققة من الوباء القاتل الذي سينشره الدجال الحقيقي القادم، حفظ الله الجميع منه.    
    
 محمد الشيباني
aa10zz100@yahoo.com


الخميس، يونيو 23، 2011

من يجرا يقول؟

من يجرا يقول، هذا مش معقول، أو استجدائية سيد الكيلاني على لسان الكيلاني.

في تأكيد جديد على مرض العقيد، وبلوغ حالة الانفصام وازدواج الشخصية لديه مداها الأعلى، قيامه هذه المرة ، وعلى لسان فارس الأغنية الجماهيرية، بالتعبير عن حالين متناقضين، أحدهما يذكر فيه فيوض نعمه التي شملت كل من عمل معه أو صادقه أو حتى قام بزيارة رسمية له. وثانيهما يظهر فيه الدكتاتور القاتل متذللا مستجديا، ولدرجة الانسحاق تحت قدم من يسأله رد الجميل الذي تم تسجيله عليه وهو لا يدري.    


وقد أجاد الكيلاني في ذلك، عندما استخدم لحنا جنائزيا كئيبا، كما هي سائر ألحانه الغليظة الجافية، وصبَّ عباراته الاستجدائية الباكية، وتوسلاته اليائسة الجاثية، في آخر تسبيحة من تسبيحاته الكثيرة لقائده، مظهرا إياه، كما لو أنه مليك العباد ورازقهم، وخافضهم ورافعهم، ومعزهم ومذلهم. 


نزل شاعر البلاط أخيرا من عليائه، وأبراجه السامقة الباذخة، حيث كان هو وقائده، يخاطب الناس من ذلك العلو الشاهق، متكلما باسم فلاسفة البشرية وحكمائها قاطبة، ومحتكرا فنون المعرفة بالأصول والمبادئ المعنوية السامية، وليهبط، هذه المرة، هبوطا مدويا جاعلا موضوع استجدائيته الأخيرة منصبا على الشخصيات، بدل الأفكار والمبادئ والنظريات، مبتدءا بكبير ياوران النظام السابق، المسماري، وبعض وزرائه، شلقم وكوسا، ومنتهيا بأصحاب القائد وأصدقائه، ساركوزي وبيرلسكوني، وغيرهم.


لم ينس أسطورة الإعلام الجماهيري البديع، عادته القديمة السيئة في إظهار عيوب الآخرين وتعييرهم بها، وتحقيرهم والحط من شأنهم بسببها، حتى لو كانت هذه العيوب مجرد عيوب خلقية، قد يستحق صاحبها العطف والمؤاساة، بدل التعيير والتوبيخ والمباهاة.


لم يتذكر شاعر البلاط من صفات نوري المسماري سوى أنه وحيد العين، جاعلا من أمر تكليفه بوظيفة كبير ياوران الحاكم المستبد، وما تحمله من إهانة، بمثابة حصوله من سيده القائد الهمام على أنعم وعطايا، تضارع عشرة أضعاف ما منحه الله له. كيف لا، وقد تحصل المسماري، وبشهادة الكيلاني نفسه، على عشرة عيون بدلا من العين الواحدة اليتيمة التي منحها خالق المسماري لعبده المسماري.


ولم تكن نعمة منح العيون تلك مقتصرة على كبير الياوران، بل إنها طالت ومنذ أربعين عاما مضت كبير شيوخ الإمارات، الشيخ زايد بن سلطان، والذي، وكما يبدو، لم يترك وصية بقائمة دائنيه الذين يأتي في مقدمتهم بالطبع، مداوي العيون وأسقامها، وربما واهبها، معمر القذافي.


قد تبدو فاتورة الجميل، سالفة الذكر، والمسجلة غيابيا على كل من المسماري والشيخ زايد منطقية، وذلك لتعلقها بأبرز ما يحمله الإنسان في وجهه، وهو عيناه. إلا أن فاتورة الجميل الباهظة جدا، والمتعلقة هذه المرة بحادثة احتضان القائد للشيخ حمد بن جاسم خلال زيارة رسمية قام بها الأخير، ربما تبدو غريبة ومجحفة بعض الشيء في حق الأمير المدين، ولكن رائد الأغنية الثورية أبى إلا أن ينسب الفضل في هذه الاحتضانة لقائده، والذي يظن أحيانا أن الهواء الذي نتنفس هو منة يجب أن نحمده عليه. وبناء على ذلك فإن احتضانة القائد لأمير قطر يجب أن لا ينساها الأمير، ويجب عليه أن يظل دائما مشحونا بفيوضها، منتشيا بأنفاس  القائد، هائما به، مأسورا بأفكاره وأفعاله، حتى لو كانت تلك الأفعال الشيطانية تؤدي إلى إبادة شعب اسمه الشعب الليبي.


أحصت هذه الأغنية الاستجدائية الباكية عديد الأشخاص من بينهم من هم كانوا، ولعقود طويلة أعمدة النظام وسدنته، وشهرت بهم في لقطات كليبية تظهرهم وكأنهم زعماء عصابات مطلوب القبض عليهم، وإحضارهم إلى خيمة القائد، أحياء أو أمواتا، متناسيا، سلطان الأغنية الثورية ومحتكرها، أن هؤلاء الأشخاص هم رجال الخيمة الملعونة، وأن ما يلصقه بهم من عيوب، إن صحت، هي من عيوب النظام نفسه، وأن أقل ما يقوم به رأس هذا النظام إزاء فضيحة الانشقاقات الكثيرة، هو الاستقالة وإعلان تنحيه، تكفيرا عن أخطائه وأخطاء وزرائه ومريديه.       


أطرف ما في هذه الأغنية من صور وأسخفها هو قيام الفنان الثوري الكيلاني بتوبيخ شيوخ الإمارات وتعنيفهم، وذلك جراء قيامهم بتشييد الأبراج العالية، مهددا إياهم بالمصير الذي ينتظر هذه الأبراج، وما لهؤلاء الأمراء من ذنب سوى ما قاموا به من ردة فعل عندما استفز نفوسهم القويمة منظر تهشم جماجم الصبيان الليبيين، بفعل الرصاص المعد للطائرات والمدرعات، فهبوا لإنقاذهم من يد جلادهم ومرتزقته المجرمين.


إن ما يؤكد استجدائية هذه الأغنية اللاوطنية هو طولها الملح الممل، واستدعائها لأحداث عفا عليها الزمن، وتركيزها بشكل ممل على الأشخاص، وتعمد إظهارهم كما لو أنهم يتامى معوزين يطرقون باب ولي نعمتهم، والذي يعبر عن نفسه بضمير الغائب في كل مقطع من مقاطع الأغنية الاستجدائية المذلة المملة.


أيضا، وربما للمرة الأولى، يتعمد منتج هذه الأغنية إظهارها في ثلاث نسخ، إحداهما بصوت نسائي أشبه بالنحيب، وذلك في تأكيد واضح على الطابع الاستجدائي الذي طبعت به هذه الأغنية، تأليفا، ولحنا، وأداء، وتسويقا.

حقا إنها استجدائية الكيلاني، في أخيرات الثواني.

صراع الموت، والحياة


صراع  الموت، والحياة
            أَمْ
صراع  الـ أنا، والـ نحن؟
يرى الأستاذ أحمد الفقيه، كما عبَّر عن ذلك في مقاله الأخير، أنَّ الصراع الذي تشهده ليبيا هو صراع بين مناشير( جمع منشار) موت فولاذية، يقذف بها القذافي في كل اتجاه، وعلى غير هدى، وبين براعم الحياة الوليدة الطرية الغضة، كما تبدو في الرياض والجنان الليبية العذراء.
 أجل. هكذا يبدو الصراع الليبي في شكله الأخير، ومنتجه النهائي. غير أنَّ المحرك الرئيسي الخفي لتروس مناشير الموت القذافية الجهنمية هذه، هو تلك الشريحة الشيطانية التي زرعها إبليس في الجينات الأزلية للكائن المدعو معمر القذافي، والتي تم تنشيطها وتفعيلها، عندما قدر الله لمعمر القذافي أن يكون حيا، وحاكما لنا نحن الليبيين عاثري الحظ.
تعود براءة اختراع هذه الشريحة إلى إبليس ومدرسته الشيطانية الشهيرة العتيقة  التي دأبت عبر العصور على تخريج أفواج من البشر، تم مسخهم وتحويلهم إلى كائنات شيطانية بسبب حملهم تلك العلامة الإبليسية، والمعروفة بالاسم الشهير " أنا ".
واجهت علامة هذه الشريحة الشيطانية، وعلى مدى الدهور، علامة معاكسة ومنافسة لها، والتي نجدها، وبوضوح، منقوشة على كل الشرائح الجبلِّيِّة غير الشيطانية لكل كائن حي؛ إنسانا كان أم حيوانا، وحتى نباتا، وهي العلامة الشهيرة " نحن ". تلك العلامة التي لا تقوم الحياة في كل صورها وأشكالها، وهي خلوٌ مما تنبض به هذه العلامة من حياة، وما تفرزه من إنزيمات مباركة، وما تبثه من إيحاءات نفسيىة إيجابية، تشكل في مجملها لبنات الحياة وبراعمها.
 وصَفَ أحد الكتاب العرب، ممن اقتربوا من معمر القذافي وعرفوا بواطنه، بأنه يملك رصيدا من الطموح، لو قدَّر الله أن يجعله في حاكم عربي آخر غير معمر القذافي لكان حال ليبيا والعرب أفضل بكثير مما هو عليه الآن. ثم خلص هذا الكاتب إلى نتيجة مفادها؛ أن طموح القذافي، زاد عن حده، فانقلب إلى ضده.
نتج عن دمج المركبات الثلاثة؛ الطموح المفرط، والأنا الهائلة ، ودكتاتورية معمر القذافي، حدوث تفاعل رهيب أدى إلى إحداث انفجارات مدوية مهلكة، استمرت على مدى الأربعة عقود الماضيىة، وغطت نيرانها وإشعاعاتها المهلكة مداءات بعيدة جدا عن مركز تفاعلها، حيث خيمة معمر القذافي، وجراب عصاه التي يهش بها على أزلامه ومريديه المعروفين باللجان الثورية .
  أخطر ما في هذه المركبات الثلاثة، هو مركب الأنا. إذ أن المركبين الآخرين، الطموح والدكتاتورية، سبق وإن اتصف بهما بعض القادة، ولكنهما لم يؤديا وحدهما إلى الحالة المأساوية الفريدة التي عليها معمر القذافي الآن.
عندما يقوم نظام حاكم ما على مبدأ منع شيوع ظاهرة النجومية في المجتمع، وممارسة ذلك بشكل منهجي من خلال مؤسسة حكومية أمنية، وهي مؤسسة الأمن الداخلي المرعبة، فإن ذلك يشير وبوضوح إلى أن رأس هذا النظام والمسئول عن أجهزته ومؤسساته مشبع بالأنانية حتى حدودها الخطرة جدا، والتي قد تدفع بصاحبها إلى حرق ما سواه للمحافظة على أناه.
 إن معمر القذافي على استعداد بالتضحية حتى بفلذات كبده مقابل الحصول على جرعة واحدة من جرعات إدمان الأنا لديه.
كيف؟
عندما حاول سيف، المرشح لوراثة أبيه،  اللعب ببعض أوتاد خيمة الراعي، في محاولة منه لمجرد إجراء تغييرات رتوشية بسيطة عليها، كتغيير اتجاه أبوابها، أو ألوان جدرانها، أو إقصاء بعض الكلاب الأليفة الحارسة لها، لما بدا على هذه الكلاب المريضة من شيخوخة مقززة، تزلزلت أركان الخيمة، وثار من فيها، وانكسر تبعا لذلك خاطر ابن كبير الضواري، حتى ذهب مغاضبا.
داعب كبير الضواري صغيره وسايره، وذلك تلبية لغريزة كل الضواري في تعليم صغارهم. غير أنه وعندما تخطى ذلك الصغير حدوده، واقترب من مكان عصب الأنا لدى أبيه، انتفض أبوه، وبشدة ظاهرة، حتى كاد أن يرمي بابنه وفلذة كبده بعيدا عن حمى خيمته، والتي قام الأب المؤسس بتحديد حماها بواسطة إنزيم الأنا المتفجر لديه، تماما كما تفعل ضواري الغابة في تحديد مستعمراتها ببولها المعبر عنها حتى لا يقترب من تلك المستعمرة أحد.
رأى سيف هذه الخطوط والعلامات الفوسفورية الحمراء، وحاول جاهدا الالتزام بها، وعدم الاقتراب منها، وكان يتمتم بها، وأحيانا يرددها بصوت مرتفع، وذلك إذا رأى جبين الوالد، المدمن حتى درجة (الخرم) بحشيش الأنا، مقطبا.
روى المذيع الليبي المعروف حسام التائب بعض ما جرى في تلك الليلة السوداء، ليلة خروج سيف، وبالتحديد عند مجيئه لمقر الإذاعة، ربما لإلقاء ذلك الخطاب الشهير، حيث وجد سيف ابن عمه، وأحد أركان خيمة أبيه، علي الكيلاني، وقال له، وبمرارة لم يستطع إخفاءها: "خربتونا بيتنا الله يخرب بيتكم".
أجل يا سيف إنهم، مريدوا أبيك وأزلامه ولجانه الثورية وبطانته الفاسدة، هم من خربوا بيتكم، بعدما فرغوا من تخريب بيوت ملايين الليبيين.
ما علاقة هذه الحادثة بموضوعنا، وكيف خرب علي الكيلاني بيت عائلة معمر القذافي، ومن قبله طبعا بيوت الليبيين؟
 لا يستحق الجواب كثير عناء، وذلك لمجرد الإطلاع على بعض الأغاني التي كتبها، وربما لحنها أيضا علي الكيلاني وشركاه، والتي تنضح تملقا وتزلفا وتأليها لإنسان تبين للكيلاني وشركاه وقوعه تحت مرض الأنا المهلك المميت.
أجل إنهم خربوا بيتكم عندما ابتزوا أباكم، ولدرجة الانسحاق،  وذلك بالضغط على عصب الأنا المتشنج لديه، بدل حقنه ببعض المهدئات، وعلاجه ببلاسم كبح الأنا، والتي كان حتما سيستجيب القذافي لها، لو أن الكيلاني وشركاه كانوا بطانة خير، تُري الحاكم الخير، وتحضه عليه.
ربما أحدٌ يقول بأن الأمر ليس بهذه السهولة في ظل عربدة الأنا لدى القذافي. فلو كان معمر القذافي طموحا ودكتاتورا فقط، لوجدت البطانة الفاسدة ومخربو البيوت، من أمثال الكيلاني وشركاه،  صعوبة بالغة في أداء مهمتهم القذرة.
 شكل مركب الأنا لدى معمر القذافي الضلع الرابع والأهم في إتمام ذلك التفاعل الذي أدى إلى هذا الانفجار التتابعي الرهيب، والذي لن يتوقف إلا عند وصول نيرانه إلى عصب الأنا المشحون لدرجة التورم لدى معمر القذافي، ويقوم باستئصاله.    
ختاما
 هل يدرك سيف حقيقة مرض أبيه، ويسارع إلى استئصال عصب الأنا لديه، ولو كان القائد كارها، وذلك قبل أن تخطف سيف وإخوته كلاليب حريق انفجار "أنا" أبيه، وتخرب بيتهم، وتدفن العائلة الملكية تحت أنقاضها، كما فعلت ببيت الخويلدي.
لو حدث ذلك يا سيف، سوف يبول الكيلاني وشركاه الثوريون جميعهم على قبور عائلتكم، كما بالوا من قبل على قبور الليبيين، إشباعا لأنا أبيك.

 
   
         

الاثنين، يونيو 20، 2011

"الطعم البشري" أبشع الماركات القذافية المسجلة

"الطعم البشري" أبشع الماركات القذافية المسجلة

كثيرة هي الماركات القذافية المسجلة، وذلك على مدى أعوام سيطرة القذافي على المشهد الليبي، واستئتاره بالدور الأبرز والأهم في كل عملية اجتماعية أو سياسية تجري على مدى مساحة الوطن وتاريخه. ولم يكن استحواذ هذا الرجل على هذه الماركات وتسجيلها باسمه عائدا إلى ألمعيته أو ذكائه، ولكنه عائد إلى جرأته، وربما مقامرته بكل شيء، بدءا من المبادئ والمثل، وانتهاء بالتكلفة المادية الجسيمة لاختراع هذه  الماركات البشعة وتسويقها.

قد لا يسمح المقام، في هذه الأوقات العصيبة التي نمر بها، بقيامنا بسرد جبل تلك الماركات المسجلة لهذا الحاكم المستبد الشاذ، والمنتشرة على مدى زمن اختطافه للبلد واغتصابه لها، وإدمانه اختراع كل ما هو شاذ، وتطبيقه تلك الاختراعات، تكلفا وقسرا، على أولئك المخطوفين المغتصبين، ساكني ليبيا ومواطنيها، ولو كلف ذلك حياتهم.

آخر هذه الماركات المرعبة المسجلة باسمه واسم زبانيته الذين يعربدون هذه الآونة في طول البلاد وعرضها، هو ما قامت به إحدى فرق الموت التي تغتصب سكان منطقة سوق الجمعة وترعبها، وذلك عندما قامت هذه الفرقة بملاحقة شاب متظاهر فرَّ منها، وقنصته في إحدى الأزقة الترابية من أزقة شط الهنشير القريبة من نقطة التقاء شارع الشط بشارع 11 يونيو، حيث سقط ذلك الشاب جريحا، وأخذ يصارع ألم اختراق الرصاص الخارق الحارق جسده الغض، غارقا في دمه، وعلى مرأى من أهله وأصدقائه الذين لم يجرءوا على الاقتراب منه وإنقاذه، وذلك بسبب وقوف فرقة الموت على مقربة من الضحية، متربصة بمن يحاول الاقتراب من الجسم الجريح، حتى يفعلوا به ما فعلوا بسابقه، إلى أن مات ذلك المسكين موتا بطيئا استغرق الساعات. ولما تأكدت تلك الفرقة القاتلة الأثيمة من موت الضحية، وضياع فرصة الظفر بضحية أخرى معه، سواء من أهله، أو من أحد أصدقائه، عمدت إلى تلك الجثة، " الطعم البشري"، وحملتها إلى مكان مجهول.

وبهذا لابد لنا من أن نعترف بأن المجرم القذافي استحوذ على ماركة مسجلة جديدة من ماركاته المرعبة.

أجل إن هذه الحادثة موثقة، وضحيتها معروف، وشهودها حاضرون.

إنني إذ أقوم بنشر هذه الحادثة، أدعو كل من يقرأها أن يقوم باستحضار تلك الحالة التي يعيشها أب أو أم أو إخوة أو أصدقاء، وهم يرون أبنهم وأخيهم وصديقهم يتخبط في دمائه النازفة ولساعات، ثم لا يستطيع أحد منهم الاقتراب منه ونجدته.

حقا إنه لأمر مرعب، وحالة لا يمكن تصنيفها إلا ضمن الحالات نادرة الحدوث، بل إنها ماركة مسجلة، وحق اختراع شيطاني لا يليق إلا بهذا الحاكم المستبد الذي لم يدمن شيء كإدمانه إحراز كل ما هو مرعب وخبيث.
    

السبت، يونيو 18، 2011

قريبا ستسقط جثة القذافي، فكيف سنواريها؟

قريبا ستسقط جثة القذافي، فكيف سنواريها؟

شغلنا وحيرنا وأخافنا معمر القذافي، وهو حاكم عسكري جلف قاس المشاعر غليظ الطباع، مغرم بالسلطة إلى درجة الجنون حتى أنه أشهر سلاحه في وجه كل من شك في ولائه لحركته الانقلابية، ولو كان من بين أولئك النفر الذين شاركوه عمله الإنقلابي المريب. كما أرهبنا وأرعبنا وهو يفرض أطروحات وأفكار ألبسها زورا وبهتانا ثوب ثورة انعتاق وحرية الشعوب ليخفي تحتها أحلام الإمبراطور المتسلط المستبد.
وأرهقنا وأضنانا أيضا، وهو يُركِضنا وراء أحلامه الفطرية المريضة المحلقة به في آفاق الوحدة مع كل من يرى في الإتحاد معه مكسبا يقرِّب له حلم سيطرته على العالم، وهو حلم لم يتردد في الإفصاح عنه من خلال نظريته العالمية التي تصور أنها نهاية المطاف لأشكال أنظمة الحكم، والتي سوف تقف البشرية عندها ولن تتجاوزها، وهو ما يعني ضمنا عدم تجاوز صاحب هذه النظرية، واعتباره خاتم الفاتحين والمنقذين والمخلصين، وربما قائدا للعالمين.

 وفي ردة فعل بائسة لهزيمته النكراء على جبهة أحلامه الخارجية ومساره الوهمي العالمي الذي لم يتقدم فيه خطوة واحدة، عمد إلى حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أمسك بكل خيوطها، وأخذ يعبث بها ويقلبها دونما الرسو بنا على أي بر، أو إيصالنا إلى أي مرفأ، مستعينا بلجانه الثورية التي راعى في اختيارها مواهبها الخسيسة في السمع والطاعة والانصياع المذل له، ولو أمرها بعمل المستحيل وغير المقبول وغير المعقول.  
 مسارب صعبة ملتوية ودهاليز ومتاهات خطرة متشعبة أجبرنا الزعيم المريض على عبورها، واستغل ضعفنا وفساد طوية السفهاء منا، ليرمي بهم وبنا وقودا في محرقة العقود الأربعة، وليكتفي القائد المريض بالتفرج علينا ونحن ندفع الثمين من الأعمار والغزير من الدماء والباهظ من الأموال، نظير إشباع نهمه في القيادة إلى حيث لا هدف.
وعندما اكتشفنا، وبعد طول صبر أن قائدنا لم يكن سوى عدونا، وأن لجانه الثورية السفيهة ما هي إلا مفارز وكتائب تأتمر بأمر العقيد، لتفعل بنا ما يريده المَريد، ومكننا الله من إصابته في مقتل، ها هو يحيرنا ويخيفنا ويرعبنا، وهو  مذبوحا ويرقص أمامنا رقصته الأخيرة على جماجم ضحاياه، غير آبه بفناء الجميع في مقابل بقائه، مغريا المغرر بهم من قرابين مجده الزائف، بأنه سوف يقوم بتأبينهم أحسن تأبين، وسوف يتصدق على أرواحهم، ويخلفهم في أهليهم، وأنه ليس مطلوبا منهم لينالوا رضاء القائد ومكرماته وعطاياه سوى منح أرواحهم فقط لا غير!.

ليس ثمة شك في أن الدكتاتور المذبوح في آخر رقصاته المأساوية، كما أنه مما لا شك فيه أننا نتأهب للولوج إلى المرحلة الأصعب، وهي مرحلة موت الدكتاتور وسقوط جثته الضخمة الثقيلة المخيفة أمامنا، وتدبير أمر مواراتها ودفنها في رماد جماهيريته اللعينة.
 جثة الدكتاتور المُعمِّر ليست ككل الجثت، فهي كما يعلم الجميع ليست جثة إنسان عادي، وإنما هي جثة إنسان نصف إله، أحيا وأمات، ورزق وحرم، وأعز وأذل، وانسحقت أمامه نفوس حتى العبودية، وفتنت به قلوب حتى الذوبان.
جثة الدكتاتور معمر القذافي الذي حكم أكثر من أربعين عاما تحوي صناديق سوداء بعدد السنين الطوال السود التي اختطف فيها هذا القرصان بلادنا، ولابد أن هذه الصناديق السوداء اسما ومضمونا تحمل الكثير من الأسرار التي لا يمكن لنا أن نعبر إلى مرحلة ما بعد القذافي إلا بعد الوقوف على أسرارها العجيبة المريبة.
كيف لنا أن نعبر إلى مرحلة ما بعد القذافي دون تمكننا من فك طلاسم الخلطة السحرية التي صنعها القذافي، وأغرانا ببلعها، فنومتنا مغناطيسيا حتى نرى، ونحن نتقلب في غمارها، تلك المشاهد العجيبة والألعاب البهلوانية المحيرة الكثيرة، والتي منها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، قدرته على افتكاك بلاد بأكملها في سويعات قليلة، وقيامه بمحاصرة أكبر قوتين عسكريتين عالميتين، تقيمان على قاعدتين بموجب اتفاق بينهما وبين الدولة الليبية، وتمكن من وضعهما في صناديق، وقذف بهما وأجلاهما خارج البلاد في زمن قصير جدا. وهو مشهد كان عند حدوثه في غاية الإثارة لنا، وهو ما جعلنا نخرج عن بكرة أبينا مصفقين للساحر مجلي الأمريكان والإنجليز، وكذلك الطليان.
 كيف لنا أن نعبر إلى مرحلة ما بعد القذافي، ونحن لا نعلم ذلك المركب السحري الذي كان يتعاطاه القذافي فيمنحه القوة الخارقة للتجديف ضد التيار في أي بحر خاض لجته سواء كان ذلك على المستوى المحلي، وما مارسه من تكلف في تقديم كل شيء، بدءا من اسم جماهيريته الغريب ونظامها المريب العجيب، ومرورا بتلك الإجراءات المتكلفة المرهقة لتحقيق أهداف تلك الجماهيرية ذات الأشكال والأطوار الغريبة. والشيء نفسه ينطبق على مغامراته الخارجية التي أحرجت كل من وضع يده في يد هذا المخلوق العجيب.

كيف لنا أن نعبر إلى مرحلة ما بعد القذافي، ونحن في مأمن من وقوع بعضنا في مجال مغناطيسي مشابه لذلك المجال الذي وقع فيه بعضنا، فصاروا عبيدا، ورهن إشارة الحاكم المستبد بعد تغلغل طوق العبودية في أعماق أنفسهم، وصيرهم أدوات فتك وقتل لمواطنين مثلهم، لا لشيء إلا لإرضاء شبق المنوِّمُ المغناطيسي القائد المتسلط النهم الشاذ.
كيف لنا أن نعبر إلى مرحلة الدولة النابضة والتي ستسير بروح الفريق، وفي أنفس بعضنا ميراث كبر، وبقايا عصبية ألبسها القذافي أثواب الاعتزاز بالقبيلة ليفرق فيما بين قبيلة وأخرى، ليضمن بذلك وجود مخزون كاف من جمر العداوة المخبوء تحت شعارات القبيلة حتى يؤججه ساعة ما يريد، كما نراه يفعل الآن.
لا يمكن لنا ونحن نعبر إلى الدولة المتحضرة المتمدنة، وجثة معمر القذافي الكريهة النتنة تنبعث منها رائحة التعصب الأعمى للبداوة، وحرصه على توتير العلاقة بين منتسبي البادية ومنتسبي المدينة، وذلك بتصريحه الفج بمناسبة وبدون مناسبة بأنه بدوي ومن الخيمة. فعل ذلك في البيان الأول لانقلابه،  كما لم ينس ذلك  في خطابه الناري الأخير.
يحارب القذافي وعصابته المدينة كثقافة وسلوك، وذلك في محاولة منه لإبقاء الليبيين، رغم تمدن وتحضر الكثير منهم، متعصبين للبداوة ومنحازين لثقافتها، والتي تناقض ثقافة المدينة في صور كثيرة منها، ملتقطين بذلك ذلك الطعم السام الذي أدمنت طرحه في كل مكان شعارات القذافي وإرجافاته.
كيف لنا أن نعبر إلى الدولة المتحضرة ولم نقض على ذلك الشعور الكاذب الذي زرعه خبث القذافي في أنفس الكثير منا مستغلا الأصول البدوية لنا، ومرغما إيانا على التشبث بأدوات البداوة، ومعاداة الواجهات المتحضرة للحياة، وهو ما تجلى بوضوح  في ذلك الشعار الذي يفخر فيه القذافي المتقلب في رفاه المدينة وبذخها، ببدويته وخيمته وعصاه التي يعترف أنه كسر بها تاج الحكومة الشرعية الرشيدة المنضبطة، وحطم بها قصر الدولة الراقية المتحضرة، وأقام على أنقاض ذلك كله خيمته الجماهيرية الفوضوية المتخلفة البغيضة.
كيف لنا أن نؤسس دولة القانون والنظام ونحن أمضينا السنين الطوال في دولة اللاقانون واللانظام حتى بات الكثير منا يتعثر في مشيته ويضطرب في حركته عندما يمشي في شوارع البلاد التي أنعم الله عليها بالقانون والنظام.
كيف لنا أن نعبر إلى دولة العدالة، ورائحة القتل بدون ذنب، والسجن بدون جريرة، والنفي بدون سبب، لا زالت تنبعث من جثة القذافي الناضحة قتلا، ومن بين أصابعه المصبوغة دما.       
كيف يا ترانا سنعوِّد أعيننا على النظر في الجدران وهي خالية من صور الحاكم ومقولاته ونظرياته، ونقنع أعيننا بأن الحاكم مجرد مدير يأتي به قرار ويأخذه قرار، وبأن أي واحد منا له الحق في أن يكون ذلك المدير، والذي لا يحق له تعليق صوره إلا على جدران بيته.     
كيف يا ترانا سنحافظ على مقدراتنا الاقتصادية، والكثير منا غرست فيه سياسة هدر المال العام التي كان ينهجها القذافي وأعوانه نزعة عدم الإكتراث بأموال الدولة وأصولها حتى باتت تلك الأصول والممتلكات نهبا لكل من هب ودب.
إن جثة القذافي الخبيثة مملوءة أوراما، ومكتنزة عللا وأسقاما، ولا يمكن لأحد أن يحيط بكل ما يجري في سراديبها  الممتدة المظلمة، وهو ما يحتم علينا التعامل معها بأقصى درجات الاهتمام، حماية لنا من انتشار عدواها القاتلة الفتاكة.


  
  

الأربعاء، يونيو 08، 2011

أنـَّـا ميلادتش، وعائشة قذافتش




أنَّا ميلادتش هي ابنة الجنرال الصربي السفاح راتكو ميلادتش الذي أعمل القتل في غير بني جنسه، الصرب. أما عائشة قذافتش فهي كريمة العقيد معمر القذافي الذي عمل نفس عمل الجنرال الصربي، ولكن في بني جلدته، الشعب الليبي المسكين.

أنـَّا ميلادتش طالبة طب، كانت فخورة بأبيها الجنرال القائد العسكري الكبير أيما فخر، وكانت تحلم بمستقبل زاهر لها في ظل هذا الأب ذي المرتبة الاجتماعية والسياسية العالية.

لم تمهل الأيام، كعادتها مع كل الأنام، الدكتورة ابنة الجنرال،  أنَّا، طويلا، إذ سرعان ما تتابعت وتعاظمت الأحداث ككرة ثلج، ثم انفجرت حمما من نيران، وسحبا من دخان، غطت سماء تلك العاصمة الحالمة، ساراييفو، والسبب هو الحرب الأهلية، بين قوم ابنة الجنرال، الصرب، وجيرانهم، البوسنيون والكروات.

وبقدر ما حرقت وخنقت تلك النيران تلك البلدة الآمنة، لم تفلت بفعلها هذا تلك الفتاة أنَّا، رغم  رومانسيتها، وعدم  تجاوز عمرها الثلاثة وعشرين ربيعا، فإذا بتلك النيران تغتال تلك الفتاة، وتغتال معها أحلامها الوردية.

لم تطق أنّا أن ترى ما فعل أبوها الجنرال من مآسي، ذهب ضحيتها آلاف الأبرياء الذين من بينهم المئات ممن هم في سنها، والذين يحلمون ويأملون، تماما، كما هي تحلم وتأمل. كما لم تطق ذلك الإزدواج الرهيب الذي بدا في عيني والدها، واللتان لم تتعود على رؤيتهما إلا حنونتين وادعتين، وبلونهما الأبوي المعتاد، وهو حال ما عاد عليه أمر ذلك الأب الذي ابتليت به أنـَّا المسكينة.

كانت هذه الصورة لعيني أبيها أحد الصور التي التقطتها مشاعر أنَّا، من بين آلاف الصور الرهيبة من حولها، وكانت أكثر من كافية لتدفعها إلى ردة فعل لم يتوقعها الكثيرون من ابنة جنرال لا ذنب لها فيما يفعل الأب. ولكن رومانسية ورقة مشاعر تلك الشهيدة كانت هي صاحبة القرار، قرار الانتحار.

انتحرت أنّا ميلادتش محتجة على ما فعله أبوها، وطهرت نفسها بهذا الانتحار من رجس ذلك الأب المجرم القاتل.


عائشة قذافتش القاطنة على الضفة الأخرى للبحر المتوسط، ابتليت هي الأخرى بجنرال حرب اسمه معمر القذافي، ورأت ما رأته أنَّا الرقيقة من قتل وحرق، ولكنها لم تكن الوجه الآخر لأنّا، بل كانت الوجه المخالف لها تماما.

ظهرت عائشة بعدما فعل أبوها ما فعل، وعلى الملأ، لتقول ما قال الأب والأخ، ولم تجرأ دكتورة القانون على استدعاء ولو بعض تلك المبادئ السامية للقانون التي تجعل من ضمان حياة الإنسان، أي إنسان، ولو كان مطالبا بإسقاط حاكم مُعمِّرٍ كأبيها، أبجدية لها.

وكما اشتهرت أنا بإقدامها على الانتحار استنكارا لما فعل الوالد الجنرال، اشتهرت عائشة بتلك المقولة الشهيرة احتفاء بما فعل أبوها، والتي مفادها أن من لا يحب أباها لا يستحق الحياة.

حرَّمت أنَّا ميلادتش على نفسها الحياة بسبب إثم أبيها، بينما حرَّمت عائشة الحياة على من يستنكر إثم أبيها.


هذه قصة فتاة صربية، وأخرى ليبية، مرت كل واحدة منهما  بحالة مشابهة لما مرت به الأخرى، ولكن ردة فعل كل منهما اختلفت.

لماذا؟

هذا سؤال تلحه علينا مرحلة ما بعد القذافي، وما تتطلبه من إعادة تأهيل لطائفة كثيرة من الليبيين يعانون من مثل ما تعاني منه عائشة التي ترى في أبيها المجد كله.

معمر القذافي، الأب الروحي للثوريين، قام ولمدة عقود بحقن عائلته الصغيرة ومريديه بأوهام الثورة العالمية، والنظرية العالمية، والجماهيرية الأولى، وبأنه هو وثورته ونظريته وجماهيريته وكتابه الأخضر ظاهرة كونية تتميز عن كل ما سواها، وبأن ما جرى على يد القائد من معجزات لا يمكن إلا أن تكون ذات منشأ ودعم إلهي، وبأن هذا القائد هو المجد، وصانع هذا المجد الذي لا يزول.

لا أتمنى لعائشة الليبية أن تنتحر إسوة بما فعلت أنـَّا الصربية، ولكنني أتمنى على عائشة وغيرها ممن فتنوا  بموالاة رجل رأى في نفسه نصف إله أن ينظروا إلى ما آل إليه حال الجنرال ميلادتش، وأن يحاولوا استشعار حالة ميلادتش، وهو في طريقه إلى محكمة الجزاء الدنيوي، وذلك عندما توسل إلى من حوله بتحقيق رغبته الأخيرة، والتي لم تكن سوى المرور على قبر ابنته المغدورة بيديه، الشهيدة أنـَّا ميلا دتش.

ربما يجد ميلادتش ومحاموه بعض المبررات، ولو كانت واهية، وهو يمارس عمله كجنرال في ساحة حرب، ولكنه لم يجد أي مبرر في موت من صدمهم بنفاقه وازدواج شخصيته حتى الموت، ومن بينهم ابنته التي مر على قبرها مستغفرا.

فهل يسارع أبناء معمر القذافي وموالوه ومريدوه، ويستغفرون من فعل معمر القذافي، قبل أن يمر هو على قبورهم مستغفرا؟
لو فعلوا ذلك لاستغفر لهم الشعب الليبي كله.