الأحد، يناير 22، 2012

سنة أولى ديمقراطية 16


سنة أولى ديمقراطية " 16 "  
                      
                      ومرة سادسة من نحن؟

انتهى الدرس السابق بطرح هذين السؤالين الخطيرين الآتيين:

س1ــ هل عملية الثورة على  رمز الاستبداد وهزيمته لا تتم إلا بقيامنا بعملية إزالة رحم تكون المستبدين وحضانتهم، وبطريقة يستحيل معها تكون أي جنين استبدادي آخر في الجسم السياسي الليبي، وبالتالي انقطاع سلالة المستبدين من شجرة السياسة الليبية، وضمان كامل بعدم تكرر ولادة أي مستبد جديد يحمل جينات وصفات ذلك الدكتاتور السابق؟

س2ــ هل حادثة قيامنا بالثورة أحدثت في فيسيولوجيا أدمغتنا تأثيرات بنيوية وأسوارا وقائية صادة لأي نوع من أنواع فيروسات القابلية للاستبداد مهما تحورت واتخذت من أشكال؟

الجواب:
  
........ وقبل أن تطرح اللوحة الذكية إجابة مقترحة لهذا السؤال، نهض أحد الطلبة وأجاب متسرعاً:

ــ عملية الثورة التي خضناها، يا أستاذ، استأصلت الطاغية المستبد بكل التصاقاته التي زرعها في نسيجنا الليبي. والفضل في ذلك يرجع إلى عمق تغلغل مشرط الثورة وبطريقة تختلف عن توأميها الثورة التونسية والمصرية.

ــ لو دققت يا بني في السؤال بما يكفي، لما تبرعت بهذه الإجابة المتسرعة. قال المدرس مبتسماً!

ــ كيف. ما الذي فاتني فهمه في ثنايا السؤال يا أستاذ؟

ــ معقِد السؤال كما تبينه ألفاظه هو الرحم المضيف  للجنين الاستبدادي، وليس الجنين الاستبدادي نفسه. فليس ثمة جنين أيا كان يستطيع فرض نفسه على مكان استضافته والتغلغل فيه إذا كان هذا المكان رافضا له. وإذا ما تم رفض هذا الجنين، فإن موته ونهايته تضحى محتومة مؤكدة.

ــ لم أفهم يا أستاذ. هلا فصلت أكثر؟

ــ أقصد أن مشكلتنا تكمن في قابلية أرحامنا المفرطة في التقاط ما هب ودب من أجنة دون ترددها ولو قليلا،  حتى تتأكد من أصالة وصلاح الجنين. فمستبدون كثر، ربما ليس آخرهم دكتاتور ليبيا، جاءوا من أعماق المجهول فتلقفتهم أرحامنا وحضنتهم ليفعلوا ما فعلوا فيها.

ــ ما من مستبد يا أستاذ إلا ووراءه قوة معادية، خلَّقته في مختبراتها وفق الطريقة التي تريد، ثم أسكنته قسرا في أرحامنا. هذا ما قرأناه وتعلمناه.

ــ تلك هي نظرية المؤامرة التي قضينا أعمارنا نعلق على مشاجبها كل مصائبنا. فما من مستبد سامنا أصناف الهوان إلا  وألحقنا نسبه العرقي أو الفكري بأناس آخرين وقوى معادية بعيدة.

قيل الكثير من مثل هذا في مستبدين من بني جلدتنا حكمونا بالحديد والنار، ورغم امتداد السنين وتبدل الأحوال إلا أن الدلالة القطعية بارتباطهم بالاستعمار الذي كنا ننسبهم إليه لم تؤكد.
قيل عن صدام حسين أنه صناعة أجنبية، وأن حربه لإيران واحتلاله الكويت كان بقرار أمريكي. كما قيل عن القذافي ما قيل من أصوله اليهودية، وبأن الأمريكان والانجليز هم من جاءوا به إلى سدة الحكم. وقيل غير ذلك كثير.

ــ وهل عندك شك في هذا يا أستاذ؟

ــ لقد تعرض الاثنان؛ صدام والقذافي إلى بأس شديد من قِبل مِن كنا نظنهم شركاء لهما فيما ارتكباه من جرائم بحق شعبيهما ووصل هذا البأس حد إسقاطهما وتعمد قتلهما ومن حولهما، إلا أن أياً منهما، ورغم ما تعرض له من ضغوط شديدة من شريكه المفترض، وما واتته فيه من فرص لفضحه لم ينبس ببنت شفة، أو ينشر مستندا واحدا أو وثيقة يتيمة تدين شريكه الإمبريالي المفترض، وهو يعلم مدى الضرر الذي يمكن أن يلحق أي حكومة ديمقراطية غربية عندما يكتشف شعبها وإعلامها تورطها في عمل سياسي كبير مع ملازم صغير أو حتى جنرال كبير يعاني من بارونايا لا شفاء منها كالتي كان يعاني منها صدام والقذافي!

نظرية المؤامرة، في نظري، هي ذاتها نظرية مؤامرة كان المستبدون أنفسهم يصنعونها ويسوقونها لنا حتى التقطنا الطعم واقتنعنا بأن دولة عظمى وراء الصعلوك الذي حكمنا، ولدرجة حولت هذا الصعلوك في عيوننا وأفكارنا الى وكيل وحيد وحصري لكل قوى العالم، بل صار في تصورنا عملاقا لا يسقط إلا بحرب كونية.

ونظرا لما لمسه الحكام المستبدون من جدوى هذا العمل، نظرية المؤامرة، توسعوا فيه حتى أشاع بيننا آخرهم، القذافي، ارتباطه بقوى كبرى تتجاوز البشر وحكوماتهم الأرضية إلى الجن وممالكهم الكونية.

أما دليلي الآخر على ما أقول فهو، وبافتراض أن أطرافا خارجية عظمى وراء الإتيان بدكتاتور ليبيا السابق مثلا، فكيف استطاعت هذه القوى الخارجية أن تسوق الليبيين بالآلاف خلال الأسبوع الأول من الانقلاب، وليقيموا احتفالات جماعية احتفاء بولادة هذا الدكتاتور الذي لم يفصح حتى عن اسمه؟ 

هذا أمر يصعب تصديقه!

ــ تقصد يا أستاذ أن الشعوب بحضانتها الغبية لكل مغامر إنما تقوم بتحويل هذا المغامر الأخرق إلى زعيم وقائد وبطل؟

ــ أجل، فمعمر القذافي مثلا كان في سنوات حكمه الأولى يتسول الحضانة في كل مكان، ومن كل من هب ودب. كان يتردد علينا في الجامعة ويشاركنا شرب الشاي في الأقسام الداخلية، ويستدعي إلى مكتبه طلابا مغمورين نعرفهم، وذلك لا لشيء إلا لنسج شرنقته وإحكام بناء صدفته التي احتاجت منا إلى عشرات آلاف القتلى من أجل كسرها.

ــ تعني أن رحم الدكتاتور ليس فقط محل تخلقه الأولي، والذي يمكن أن يحدث في أي مكان على الأرض وفي أكثر الدول تحضرا، ولكنه يعني بشكل أساسي البيئة الحاضنة للدكتاتور بُعيدَ ولادته وخروجه المريب على الناس.

ــ أجل هذا ما أعنيه بالضبط. وحتى يمكننا فهم الموضوع بسهولة أكثر نعقد مقارنة بسيطة بين الجو التأييدي الاحتفالي الأسطوري الذي حظي به الملازم الانقلابي معمر القذافي عندما أمسك بالسلطة وظهر على الناس، وبين ما يعامل به رئيس المجلس الانتقالي أو رئيس الحكومة حاليا.

ــ أجل الفارق كبير بين الحالتين. ولكن هل هذا يعني أننا قمنا بإزالة كل عوامل وهواجس تشكل البيئة الحاضنة للدكتاتور.

ــ كلا. إن هذه الحالة كأي مرض اجتماعي آخر لا يثبت فيروسه دائما على هيئة معتادة واحدة، بل إنه كالكثير من فيروسات الأمراض الجسمية القاتلة التي كثيرا ما تعمد إلى تغيير أشكالها وملامحها من أجل التمويه على وسائل علاجها ومحاربتها، ومن تم المحافظة على بقائها وديمومتها.

ــ ما هذا يا أستاذ. كلامك هذا محبط لنا نحن الثوار كثيرا!

ــ كيف؟

ــ كأنك تريدنا أن نبقى في خنادقنا، ولا ننزع أصابعنا من على زناد بنادقنا، وذلك في انتظار الدكتاتور المقبل في الهيئة الجديدة المقبلة!

ــ إنك مرة أخرى تقع في سوء التدقيق!

ــ ماذا تعني يا أستاذ؟

ــ ألم أقل لك أن العدو الذي نعنيه يتحور ويتبدل، وبالتالي فإن السلاح الذي يجب أن نحاربه به هو الآخر يجب أن يتغير ويتبدل، وربما كل السلاح الذي تحملونه الآن، من بنادق ومدافع وغيرها، يفقد جدواه مع ظاهرة استبدادية أخرى تختلف كثيرا عن سابقاتها.

ــ ألغزت علينا الأمر يا أستاذ!

ــ كلا. ألم نتفق على أن البيئة الحاضنة لدكتاتورنا السابق هي التي مكنته منا. وأن هذه البيئة الحاضنة ما هي إلا نحن الليبيين بما كنا عليه من أمية حرف وفكر، وضيق أفق، وانحسار مدارك، ومشاعر عصبية وقبلية، وبراغماتية فردية ضيقة، وروح انهزامية، وكثير كثير غير ذلك من مسببات وحوافز مرض، وأيضا مثبطات علاج وعافية.

ــ هذه الإشارات السلبية الكثيرة يا أستاذ، وبرغم ما قمنا به من ثورة، إلا أنها لا زالت تلون وطننا، وتشكل ملامح حاضنة لدكتاتور ما يأتي من وراء الغمام. أليس كذلك؟

ــ بلى. هذا ما أراه أنا أيضا.

ــ ما الحل يا أستاذ. أعني الإجابة عن السؤالين عاليه؟

ــ أما وقد تأكدنا بأكثر من دليل بأن كل المستبدين الذين عرفناهم إنما ترعرعوا في حضن تخلفنا المقيت، وأن أول ثدي رضعوا منه لبن جبروتهم هو غفلتنا وقلة علمنا وانحسار مداركنا وما نحن عليه من انهزام وتشتت صف واختلاف رؤيا وتعصب قبلي وأمية فكرية وغير ذلك من أمراض معنوية. فما علينا والحال كذلك إلا تجريد أسلحتنا وإعلان الحرب على هؤلاء الأعداء مجتمعين.

وفجأة قام أحد الطلاب الثوار وقذف ببندقيته على الأرض قائلا:

كل العلل والأمراض التي ذكرت يا أستاذ لا يجدي معها نفعا هذا السلاح الناري البليد الذي أرهقني حمله.

حقا ما تقول. رد المدرس، ثم أضاف:

على كل منا، وقد أدرك مشكلة الوطن، أن يهب لإنقاذ الوطن بأمثل طرق الإنقاذ وأنجعها، وتحويل كتائب الثائرين إلى كتائب معلمين وناصحين وبنائين، وكذا تحويل أسلحتهم النارية إلى كمبيوترات وروبوتات سريعة جبارة نعوض بها قصورنا وتخلفنا ونحن نسير بسرعة السلحفاة التي أدمناها السنين الطوال.

استوعبت اللوحة الذكية فحوى الحوار الذي جرى بين الطلبة والأستاذ، وأعلنت كفاية ما ذكر للإجابة على السؤالين المطروحين في أول الدرس، والذي اختزلته في كلمتين جعلتهما عنوانا لدرس آخر مقبل، وهاتين الكلمتين هما: 
                          
                               "التنمية البشرية"


محمد الشيباني
Libyanspring.blogspot.com


 

سنة أولى ديمقراطية"24"


السبت، يناير 21، 2012

سنة أولى ديمقراطية 15


              
                       ومرة خامسة، من نحن؟

الجواب: نحن خريجون أعظم وآخر كلية استبداد في العصر الحديث.

جعلت اللوحة الذكية السؤال عاليه والجواب عليه عنوانا للدرس الخامس عشر من دروس سنة أولى ديمقراطية، ثم أتبعته بالعنصر الرئيسي لهذا الدرس، وهو:  


نحن من حضننا مستبدا، وعايشنا استبداده أزيد من أربعة عقود، ثم ثرنا عليه. هل انتهى كل شيء؟


وحتى يتمكن المعلم من تقريب الفكرة إلى أذهان الطلبة، ذكر لهم رأي طبي مفاده أن كل ما يتعرض له الجسم الحي من حوادث ضارة وعلل منهكة، وإن شُفيَ منها الجسم  وبرأ، إلا أن أثرا ما من تلك الحوادث والعلل يبقى في ذاكرة ذلك الجسد  ونسيجه.

ثم أضاف:

أما إذا ما اتخذنا ذلك الأثر القائل: كيفما تكونوا يُولّى عليكم، وسيلة تشخيص أخرى، فإن تشخيص الحالة يقترب من تمامه، ويصبح الحكم على الجسم الليبي بأنه جسم يعاني من علة تفريخ المستبدين، ومعايشة الاستبداد حكما مكتمل الجوانب.

وعلى الفور نهض أحد الطلبة الثوار، وأعلى صوته قائلا:
قد تحررنا وحررنا الوطن!

وقال آخر:

لن نعود للقيود


ابتسم المعلم ابتسامة يخفي وراءها شيئا فطن له الحضور، ثم أردف قائلا:

الأمر الذي أجمع عليه كل مطلع خبير، أننا بقدرة قادر وتدبير حكيم تم إنقاذنا من سطوة شخص من بني جلدتنا، تمكن في غفلة منا من استدراجنا إلى شرك مكره وخبثه، حيث أحكم قبضته علينا وسبانا سبيا جماعيا ليمارس علينا شتى ألوان ظلمه ومختلف أصناف استبداده وتسلطه في ملحمة ابتزاز جماهيري فريد، دامت أزيد من أربعة عقود، وهي فترة كانت أكثر من كافية لتقسِّمنا إلى فئات رئيسية ثلاث:

ــ فئة قليلة ساومها القرصان على مسخها مقابل بذخها، فقبلت وتحولت في يده آلة يصنع منها وبها ما يريد من نماذج استبداده وتسلطه، وحتى أصناف ملهاته، وهي نماذج وأصناف كان يستدعيها الدكتاتور المريض دونما كلل وملل من مستودع بارانوياه المكتنز بألوان هذا المرض النفسي الرهيب، مرض جنون العظمة.

ــ فئة أخرى لم تطاوعها كرامتها على الدخول إلى مزاد بيع الذات، وسوق نخاسة الجماهير، ورفضت الانصياع للقرصان مقابل أي ثمن. وهي بموقفها الرافض هذا غدت قذى في عين الدكتاتور، فأفسدت عليه مزاجه المجنون، وعكرت صفوه البارانويي.

ــ أما الفئة الثالثة، وهي الأكبر والأهم، فشكلت ما يعرف بالكتلة الصامتة، أو غير ذات الشحنة، والتي بصمتها المريب هذا، أطالت كثيرا وقت اللعبة الدامية وغير المتكافئة بين القرصان المجنون والقافلة المختطفة.


ظهرت آثار سياط الاستبداد التي امتدت طولا وعمقا، على كل فرد من أفراد هذه المجموعة، وصنعت جروحا غائرة، تجاوزت الملامح والمظاهر إلى حيث مكنونات الأنفس وأعماق المدارك والمشاعر.

وبقدر ما تدعو ندوب سياط الاستبداد العميقة في المدارك والعقول إلى الشفقة على المبتلين بها، فإنها تدعو وبدرجة أكبر إلى ضرورة ردم هذه الندوب وعلاجها بوسائل العلاج والتصحيح المختلفة.

والندوب التي صنعها الاستبداد في النفسية الليبية كثيرة ومتنوعة، إلا أن أخطرها هو عدوى مرض الدكتاتور نفسه، والمتمثلة في سلالات مرض البارونايا التي انتشرت في الكثير من أفراد القافلة المختطفة المنكوبة.

منذ بواكير العصر الأسود للدكتاتور، أصيب الكثير من الليبيين بفيروسات الاستبداد والتسلط التي كان يقذفها القرصان من جوفه، ووصلت درجة العدوى بهذا الفيروس حدا من الخطورة جعل أفراد القافلة المختطفين المأسورين داخل حظائر الأسر الجماهيري الرهيب يضربون بعضهم بعضا، لا حبا في القرصان أو ولاء له، ولكن مجرد محاكاة مرضية لملامح القرصان المنتصر، وهي ظاهرة مرضية  معروفة يؤكد أطباء النفس وجودها وخطورتها.

الكثير من القرارات الهوجاء الخطيرة التي اتخذها الدكتاتور ما كان له أن ينفذها أبدا لو لم يمهد لها بجرعات بانورياه التي حقنها، وبدرجات متفاوتة، في أنفس وأفكار ضحاياه الذين لم يبرأ البعض منهم من هذه العلة حتى وهو يرى القرصان نفسه المريض بداء العظمة يدرك أخيرا أنه مريض وأنه ليس عظيما، ودليل ذلك انخراطه في نوبة توسل مذلة من أجل إطالة عمره يوما واحدا.


أنتجت حالة وقوعنا بين مطرقة القرصان وسندان بأسنا فيما بيننا الشعور بقبول الوضع الاستبدادي واستمراء ومعايشة المستبد، مع علم الجميع بأنهم قطعان وبيادق يحركهم القرصان في مربعات لعبته كيفما يشاء.

قبل ذلك اليوم القدري الذي انطلقت فيه شرارة الثورة، لم يكن يبدو على وجه القرصان تجاعيد الشيخوخة الموحية بقرب تقاعده، كما لم يبد على ندوب سياط الاستبداد المستقرة في أعماق نفوس الغالبية العظمى من الليبيين أي تغير يشي باضمحلال وسم القابلية للاستبداد واستمرائه ، بل إن مراصد السياسة والاجتماع استخدمت هذه الندوب والوسوم، واتبعت مساربها، وهي ترسم بريشتها الاستراتيجية خريطة مستقبل الليبيين ومآلات أحوالهم السياسية.   

وصمة القابلية للاستبداد ملتصقة وظاهرة بوضوح على معظم الليبيين، ووسومها البارزة الصارخة لا تخطئها العين. كما أن حادثة الثورة ضد هذا الاستبداد وسقوط رأسه وأركانه مؤكدة بألف دليل ودليل.

هذه الحالة المتناقضة الطافحة بالهواجس هي التي تبرر طرح السؤالين الآتيين:

ــ هل عملية الثورة على القرصان المستبد وهزيمته تعني  قيامنا بعملية إزالة رحم يستحيل بعدها تكون أي جنين استبدادي، وبالتالي انقطاع سلالة المستبدين من شجرة عائلة السياسة الليبية، وضمان كامل بعدم تكرر ولادة أي مستبد جديد يحمل جينات وصفات ذلك القرصان الملعون؟

ــ هل حادثة قيامنا بالثورة تكفل لنا البرء الكامل وتنقية دمنا وتصفيته من أي عدوى بفيروس القابلية للاستبداد؟

وفجأة أظهرت اللوحة الذكية أصواتا تحذيرية صاخبة، وأضواء حمراء متوهجة، في إشارة منها إلى خطورة الموضوع وصعوبة مادته وحرجها.

ولأن المساحة الزمنية للدرس الخامس عشر من دروس سنة أولى ديمقراطية لا تكفي لاستيعاب محاولة الإجابة عن هذين السؤالين الخطيرين، أحالت اللوحة الذكية ذلك إلى الدرس السادس عشر القادم بعون الله.

محمد الشيباني
 




الأربعاء، يناير 18، 2012

سنة أولى ديمقراطية"14"


                                                          
سنة أولى ديمقراطية"14"

يتبع الدرس السابق
                          "ومرة رابعة من نحن"
"الليبي براجماتي مثالي، ولكنه يعمل لحسابه الخاص فقط"

لم يعجب الكثير من التلاميذ الثوار إطلاق هذه التهمة على الجميع، وعدم استثناء الثوار من هذه التهمة الخطيرة، فقام أحدهم وقال معترضا :

ــ ليس كل الليبيين على الحال الذي ذكرت يا أستاذ.

ــ ماذا تعني؟

ــ أعني أننا نحن الثوار لسنا براغماتيين خواص كما وصفت، وإلا ما كنا لنصطف صفا واحدا، ونعرض أرواحنا فداء للوطن وإنقاذا له من دكتاتورية وبراغماتية الحاكم الفرد  الذي جعل من الوطن كله مزرعة خاصة له ولعائلته وعصابته.

ــ أجل إن الاصطفاف في معركة تحرير الوطن الذي خاضه الليبيون جميعهم لهو عمل براغماتي جماعي بامتياز، وهو حقا عمل استثنائي فذ سطره التاريخ بأحرف من نور. بيد أنه وبعدما وضعت الحرب أوزارها عاد فيروس البراغماتية الفردية والانتهازية إلى الظهور، مستغلا ما يعانيه الكثير من الثوار من قصور مناعي طبيعي ضده، وكذا خلو المحيط من وسائل مكافحة فعالة له.

كل المخالفات التي ارتكبت باسم الثوار يجب فصلها بالكامل عن سياق الثورة وتبرئتها منها، فلا يمكن لثائر حقيقي صادق فدى الوطن بنفسه أن تطاوعه نفسه لنقض ما بناه من مجد وما سطره من فخار، لا لشيء إلا لإشباع نزوة نفس رخيصة.

المخالفات المنسوبة إلى الثوار كثيرة وكثيرة جدا، وهي تشير بوضوح إلى صلتها بالبراغماتية الانتهازية الفردية المستهجنة، ذلك المرض العضال الذي فشا في الكثير من الليبيين لأسباب كثيرة معروفة.

ظاهرة أخرى من ظواهر البراغماتية الفردية وإن اختلفت كثيرا عن سابقتها إلا أنها على صلة ما بالهوس البراغماتي الشخصي، وهذه الظاهرة هي قيام الكثيرين ممن تضرورا في العهد السابق بالمبالغة في إصدار الفواتير المعقولة وغير المعقولة بمبرر حقية في التعويض عما لحق بهم من أذى ممارسات ذلك النظام. بل إن البعض يقوم بإصدار فواتيره على مجرد موقفه الوجداني المؤيد للثورة!

الكثير من هذه الفواتير غير معقول ومبالغ فيه، وحتى المعقول منها يمكن التأني في عرضه والمطالبة به عن طريق القضاء، وذلك بعد قيام الدولة واستقرارها، لا عن طريق الاعتصامات والتجمعات والمطالبات الملحة التي تضع حصول المدعي الفرد على ما يريد أهم من كل شيء غيره، ولو كان قيام الدولة التي تستنجد بالجميع من أجل مساعدتها على الوقوف.

ــ كل الذي ذكرته يا أستاذ صحيح، ودليل ذلك وقوع الكثير من المنازعات والمشاحنات العنيفة بسبب تناقض موقف مصلحي ضيق لفئة أو جماعة أو حتى فرد مع مصلحة براغماتية ضيقة لطرف آخر.



ــ ما دمت اعترفت بذلك، فنحن إذن أمام مشكلة مركبة!

ــ كيف. ما هذه المشكلة المركبة؟

ــ يتطلب شروعنا في عملية التصحيح والإصلاح المعتمدة بشكل رئيسي على العمل البراغماتي الجماعي ضرورة قيامنا بعمليتين لا عملية واحدة. أولى هاتين العمليتين هو المسارعة  بإزالة آثار البراغماتية الفردية البائسة من أذهان الناس، وإقناعهم بضررها المدمر لكيان الفرد والمجتمع على حد سواء. أما العملية الثانية فهي القيام بتحفيز الناس ودفعهم لتشكيل منظومة العمل البراغماتي الجماعي الخلاق؛ أي عملية هدم لقديم سقيم، ثم تتبعها عملية بناء لجديد مفيد.

ــ  لابد أن ما خضناه من قتال ضد رمز البراغماتية الفردية المقيتة، القذافي، وانتصارنا عليه من شأنه أن يقنع الجميع بأن البراغماتية الضيقة التي مارسناها جميعا ولعقود عديدة لهي مقبرة الفرد والجماعة كلاهما، وأنه لا مناص من البدء وعلى الفور في بناء أساسات العمل البراغماتي الجماعي الخلاق.

ــ وما هي هذه الأساسات الضرورية والفورية البناء؟

ــ أهم هذه الأساسات وأكثرها إلحاحا هو تأمين عناصر القدوة  في المجتمع والاطمئنان إلى نخبته.

ــ كأنك تعني بالقدوة والنخبة أعضاء المجلس الانتقالي والحكومة وقيادات الثوار وغيرهم من قيادات المجتمع وأعلامه.. أليس كذلك؟

ــ بلى، ومن غيرهم؟

ــ ها قد عرفناهم، ولكن ماذا عليهم أن يفعلوا حتى يتأهلوا لهذا المقام الرفيع، ويأخذوا بالبلاد وأهلها من ساحة معركة الوطن الواحد، والتي فاقت فيها أكوام النفوس المحطمة والخواطر المنكسرة بفعل أنياب الوحش البراغماتي الشخصي أكوام وأنقاض ما خلفته آلة الحرب المدمرة، إلى ساحة دولة قوية البنيان منيعة الحياض بفعل اصطفاف مواطنيها اصطفافا براغماتيا جماعيا خلاقا؟

ــ  ما عليهم إلا أن ينهجوا ذلك النهج الذي نهجته قبلنا دول عديدة، فتحولت من دول متأخرة يعربد فيها التخلف بكل صوره، وتعشش فيها العلل والأمراض، إلى دول معافاة متحضرة.

ــ هل من مثل يا أستاذ على هذه الدول؟

ــ أقدم مثل اليابان، وأحدث مثل الصين والنمور الأسيوية.

ــ كيف. فصل أكثر من فضلك؟

ــ أدركت اليابان في أواخر القرن التاسع عشر تفوق أمريكا وأوربا، فلم تنتظر طويلا وتضيع وقتها في التنظير وممارسة التجارب، ولكنها تصرفت بطريقة براغماتية فعالة، وقامت على الفور بإرسال من يجلب لها بذور التقنية والتقدم من وراء المحيط، ثم زرعت هذه البذور في أرضها، وسقتها بالمركب البراغماتي الجماعي السحري، فتحولت وبسرعة فائقة إلى مارد حضاري جبار. ثم، وبفعل العدوى، تسللت تلك البذور إلى حيث كانت ترقد تلك القطط الأسيوية الهزيلة،  فاستيقظت من سباتها الطويل المنهك، وأصبحت بفعل ذلك المركب البراغماتي نمورا أسيوية عملاقة.

ــ  ومَن غير اليابان وجيرانها النمور الأسيوية يا أستاذ؟

ــ يُحدِّث التاريخ أن زعيم الصين الشيوعي حتى النخاع، دنج زياو، ورئيس الدولة المليارية الأنفس، القديمة النشأة والتاريخ، الممتدة الأطراف، العتيدة النظام، المشبعة أيديولوجيا حتى التخمة، قام بزيارة دولة سنغافورة ذات الخمسة ملايين، فلم يخطر بباله ما فعل أحد زعماء دولنا العربية الكبيرة عندما قام بابتلاع جارته الصغيرة في ليلة واحدة لمجرد أنها تبرجت أمامه مظهرة ما أنعم الله عليها من زينة، أو حاول أن يمارس ذكاء فطريا خبيثا ظاهره فيه الوحدة العربية وباطنه يعتمل برغبة السيطرة وابتلاع الآخر. كلا لم يفكر التنين الأصفر العملاق في هذا أبدا، ولكنه على العكس من ذلك امتلأ دهشة وإعجابا بما رآه في جارته الصغيرة من تقدم وازدهار، ولدرجة جعلته يغير وعلى الفور سياسات ذلك العملاق الصيني الثقيل المترهل، ويلح في إقناع من حوله من قيادات الحزب الشيوعي الصيني بالحل البراغماتي غير الشيوعي، والبدء وعلى الفور بمحاكاة القزم السنغافوري الشقي فيما يقوم به من حركات براغماتية شقية ولكنها شيقة ذكية. وما هي إلا سنوات معدودة، وإذا بالصين السقيمة تصبح دولة معافاة عظيمة، وربما تتطلع لتصبح الدولة الأقوى والأعظم كونيا.
     
ما كان ليحدث كل ذلك أبدا، لولا ما توفر في دماء أولئك الناس، حكاما ومحكومين، من ذلك المركب البراغماتي السحري العجيب، إما بمقتضى السليقة والفطرة، أو عن طريق جلبه وتعاطيه لدعم مناعة عقولهم، وتحفيز عزائمهم، للقيام بهذا الجهد الحضاري المشهود.

قام مسؤولونا بزيارات كثيرة، كالتي قام بها المسؤول الصيني، ورأوا الكثير من مثل ما رآه دنج زياو، غير أنهم، ولعدم توفر مركب البراغماتين، في صورتيه الموهوبة والمكتسبة لديهم، رجعوا وكأنهم لم يروا شيئا. ولا زلنا كما ترون لم نحقق شيئا. فهل نحن بحاجة إلى عدد ستة ملايين جرعة من لقاح البراغماتين الجماعي الفعال، ولو كان ذلك على حساب ما نحتاجه من غذاء وكساء.
لابد لي أن أعترف بأنني وكأي ليبي ابتلاه الله بمعايشة نظام غاشم لم يكتف بمجرد تملك رقاب الناس وسوقهم سوق الدواب، ولكنه عمد إلى منظومة تفكيرهم فعبث بمكوناتها وهز ثوابتها فانحرفت مؤشرات بوصلاتها واختلت معادلاتها حتى أصبحت حواسيب عقولنا ترى قيمة الكسر 1 على 6000000 أكبر من 1 ومصلحة النسمة الواحدة ترجح مصلحة ملايين النسمات!!.

ألم يكن من وجهة نظر الدكتاتور وعائلته وحواريه وبعض المغرر بهم من المواطنين البسطاء، جعل ليبيا كلها جمرا، والتضحية بستة ملايين ليبي في الحرب الأخيرة أقل أهمية بكثير من مجرد تنحي شخص واحد من فوق كرسي حكم فقد حق الجلوس عليه من يوم اعتلائه له منذ أربعة عقود.

أجل يؤسفني أن أعترف لكم بأنني أحد المعانين من هذا الاختلال العظيم والانحراف الجسيم الذي تلوِّح به تلك المعادلة، وإنني إزاء ذلك أراني في حاجة ماسة إلى إعادة تأهيل وتصحيح زوايا نظري، بل وانحراف واختلال تفكيري.

لا أعترف بذلك إظهارا لتواضع أجوف، بل لأضع نفسي في طابور الليبيين الكثيرين الذين حالهم كحالي، ولأهيب بكل واحد منهم، وقد تجلت الصورة وزالت موانع التصحيح والإصلاح وعوائقه، بأن يأخذ في اعتباره بأنه الآن مسئول مسئولية كاملة على تصحيح اختلال كل المعادلات وإعطاء الكسر السابق قيمته الحقيقية، وعندها فقط يمكن أن نعلن ليبيا دولة خالية من فيروس البراغماتية الفردية، وعندها فقط  سنرى ليبيا هذه سنغافورة أو دبي.

أما إذا لم يتحقق ذلك وبقينا كلنا براغماتيين مثاليين نعمل لحسابنا الخاص فقط، فسيكون كل واحد منا شريكا في جريمة الخيانة العظمى لليبيا التي مارسناها إثنين وأربعين عاما مكرهين، وسنمارسها من الآن فصاعدا، وبكل أسف، متعمدين مختارين.

محمد الشيباني