الجمعة، ديسمبر 16، 2011

سنة أولى ديمقراطية"3"


سنة أولى ديمقراطية"3"

كالعادة انعقد الدرس في وقته، وظهر على اللوحة الذكية الرقم "3" مبينا تسلسل درس اليوم، وكالمعتاد أيضا طلبت هذه اللوحة من المدرس القيام بإدخال معطيات الدرس، والتي يأتي في مقدمتهها، كما هو معروف، العنوان.

أقبل المعلم على السبورة، وكتب العنوان التالي:

   **السندوتش الثقافي؛ أحقيته، وضرورته، ومواصفاته**

على عكس الدروس السابق، لم تصدر اللوحة أية أصوات أو أضواء مثيرة، وبدل أن يستفز العنوان التلاميذ كما كان سابقا، بدا العنوان هذه المرة كما لو أنه نكتة أضحكت الجميع وأدخلت عليهم الفرح والسرور.

لاحظ المعلم سرور الطلبة واستحسنه، واعتبر ذلك عنصر إثارة إيجابي، ومؤشرا على استعداد الطلبة النفسي والذهني لموضوع يستهدف في الأصل عقل الفرد ووعيه. ألا وهو موضوع التوعية والثقافة.

ساد الهدوء الفصل، وأعطت السبورة الذكية الإذن للمعلم بشرح درس "السندوتش الثقافي"؛ فاستطرد المعلم قائلا:

خاض الشعب الليبي خلال الشهور المنصرمة الماضية ثورة ضد المستبد القذافي يمكن وصفها بالثورة الخشنة، وازتها ثورة ناعمة لا تقل أهمية وقوة وتأثيرا على الثورة الخشنة.

الثورة الناعمة تلك هي الثورة الثقافية التي يرجع إليها الفضل في التمهيد للثورة الخشنة، ثم إشعال شرارتها في السابع عشر من فبراير، ومن تم مواكبتها ومؤازرتها حتى تحقق التحرر من الاستبداد.

لم تتخذ هذه الثورة الثقافية الناعمة التي وازت وصاحبت ثورة البارود أيا من الأدوات الثقافية التقليدية الضخمة المكلفة؛ كالمسارح، ودور السينما، والمهرجانات الفنية وغيرها، وسيلة لتحقيق أهدافها، ولكنها استخدمت أدوات رخيصة خفيفة رشيقة أشبه ما تكون بالسندوتشات الثقافية.

الثوب الأسطوري للثورة الثقافية الذكية الرشيقة تلك، تم تفصيله وحياكته بطريقة عفوية وبسرعة قياسية في أزقة القرى  وشوارع المدن وميادينها، حيث تجمع الثوار أبطال هذه الملحمة بطريقة عفوية أيضا، وعلى غير ما ميعاد. ولم يكن  أولئك الثائرون سوى مواطنين عاديين، لم يسبق للكثير منهم أن دخل مسرحا أو امتلك مكتبة أو كان من ذوي الانتماءات الحزبية أو الأيديولوجية بالمعنى الثقافي الدقيق.

شعارات وأهازيج عفوية تم تأليفها على عجل باللغة المحكية، وتم تلحينها وأداؤها وفق ما اتفق. ورسوم كاريكاتورية في منتهى البساطة قام برسمها بفرشاة طلاء الجدران العادية  أناس لم يروا يوما فرشاة الرسامين والكاريكاتيريين المتخصصين. فخربشوا بأردأ أنواع الطلاء حوائط بيوتهم وهياكل سياراتهم، وقذفوا بكل ذلك فوق خشبة مسرح عملاق حدوده حدود الوطن، وكواليسه وجدانات وأفئدة كل عشاق الحرية، وفعالياته  مهرجانات تثقيف وتوعوية وتحريض على مدى الليل والنهار، أما العنوان الأكبر لهذا المهرجان هو " التحرير". وفي زمن قياسي تمكن هذا المهرجان الشعبي البسيط من هدم ما أقامه الدكتاتور القذافي من صروح ثقافية باذخة كلفت المليارات واستغرق بناؤها عشرات السنوات.

نجحت ثورة السندوتش الثقافي، وسكنت رسائلها القلوب، وحركت نداءاتها الجوارح، ولامست درجة جدواها الذروة، وهي مؤهلات جعلت من الثورة الثقافية الليبية مدرسة عالمية يجدر بأهل الفكر منحها ما تستحق من اهتمام، وإدراجها ضمن التراث الثقافي الإنساني.

من الواضح جدا أننا نمر الآن بأزمة ثقافية ربما أشد حرجا مما كنا عليه ونحن نخوض معركة التحرير، وهو أمر يتطلب منا حلولا ثقافية ذكية سريعة ورشيقة، نتمكن من خلالها الوصول، وفي فسحة الزمن الضيق المتاح، إلى حيث أماكن الوجع والسقم الثقافي التي يعاني منها قطاع عريض من الناس، يشكل الشباب شطره الأكبر. ولا يمكن لهؤلاء، والحال هذه، أن نطلب منهم الانتظار حتى اكتمال بناء تلك القوالب الثقافية التقليدية الباهظة الثمن والمديدة الزمن.

آمل آن تكون هذه المقدمة قد أوفت بأحقية وضرورة فكرة السندوتش الثقافي. قال المدرس؛ ثم أردف قائلا:

أما مواصفات هذا السندوتش فيجب أن تتفق مع تفكير ونمط حياة شريحة المستهدفين من هذه الوجبة الثقافية، والذين في مجملهم، كما هو معروف، شباب من مستويات مختلفة ليسوا من محترفي ولا حتى من هواة القراءة أو حضور المحاضرات أو مشاهدة المسرحيات أو غيرها.

أرى أن يكون هذا السندوتش الثقافي في صورة إعلان رشيق  تحمله مطوية أو ملصقة تحوي مادة إرشادية موجزة ومثيرة ومكتنزة بالمعاني. على أن يكون هذا الإعلان الإرشادي متحركا، يتواجد حيث يتواجد المستهلكين المستهدفين؛ كالطلبة في مدارسهم وجامعاتهم، والموظفين في مكاتبهم، والعمال في ورش عملهم، ويتواجد حتى في المقاهي والمطاعم والملاعب وغيرها.

وعلى غير ما كانت تفعله السبورة الذكية من اقتصارها على التحذير والإدلاء بالنتيجة النهائية للدرس وحالة الدارسين، قامت السبورة آليا بمساعدة المدرس، واقترحت المزيد من صور وأنواع السندوتش الثقافي ممثلة فيما يلي:
 
1ــ الإعلانات الإرشادية على هيئة ملصقات على الجدران وأعمدة الكهرباء وأشجار أرصفة الطرق، وحتى على سيارات الأجرة والسيارات الخاصة والعامة.

2ــ قوافل التثقيف والتوعية المتحركة حاملة على ظهرها المواد الإرشادية المسموعة والمقروءة.

3 ــ الفواصل الإرشادية في برامج الراديو والتليفزيون ووسائل الإعلام المختلفة.

4 ــ "خمس دقائق من الرقائق"، وهو برنامج توعوي يمكن أن ترعاه وزارة الأوقاف من خلال حملة تثقيفية مركزة يكون مكانها المسجد ووقتها خمس دقائق بعد كل صلاة يقوم خلالها المتطوع المؤهل بإمداد المصلين بوجبة ثقافية عامة، لا يشترط تقيدها بالثقافة الدينية وحسب، بل تتطرق إلى كل شأن يمس حياة المواطن ويضيف لبنة ثقافية جديدة في جدار وعيه. كما يمكن أيضا تنفيذ هذا البرنامج بين المحاضرات الجامعية وكذا الحصص المدرسية.

5 ــ تبني برنامج ثقافي عام على هيئة دورة ذات منهج محدد وشهادة معترف بها يمنح حاملها ميزة ما عند تقدمه للوظيفة، أو عند الترقية من درجة لأخرى.

6 ــ وبخط مضيء مؤتلق عريض كتبات اللوحة الذكية كلمة: "القدوة".

وفي نهاية الدرس، ونظرا لارتياح الجميع للفكرة وتقبلهم لها، ظهرت النتيجة العامة لدرس اليوم مشجعة جدا، إذ بلغت درجة التحصيل والاستجابة النسبة 100%.

محمد الشيباني
aa10zz100@yahoo.com

الثلاثاء، ديسمبر 13، 2011

سنة أولى ديمقراطية "2"


سنة أولى ديمقراطية "2"

بدأ الدرس الثاني من دروس العام الأول من السنة الديمقراطية الليبية الأولى، وقامت السبورة الذكية من تلقاء نفسها بتخزين محتويات ونتائج الدرس الأول، معلنة بشعارها الترحيبي المعهود استعدادها لاستقبال مدخلات الدرس الثاني.

لم تتضمن مدخلات الدرس الثاني سوى كلمتين هما:

"من أنتم؟"

بمجرد إدخال هاتين الكلمتين قامت السبورة بإصدار أصوات وألوان تحذيرية مثيرة جعلت التلاميذ يضجون، وطلب الكثير منهم الإذن بالتعليق، فأذن المدرس إلى أحدهم الذي قال متسائلا:

ــ  وهل هذه العبارة تمثل ملمحا من ملامح حقبة الاستبداد يا أستاذ؟!
ــ أجل. بل إن هذه العبارة من أهم الملامح وأخطرها.
ــ الكثير منا لم يعرف عن هذه العبارة سوى أنها أحد العبارات المشئومة التي قذف بها في وجوهنا المستبد القذافي وهو في حالة غضب وانفعال.
ــ هي كذلك، ولكن ما يعنينا منها أهم من ذلك وأخطر.
ــ كيف. هلا وضحت أكثر يا أستاذ؟
ــ عبارة "من أنتم؟" هذه في خلقتها اللغوية الأولى كانت مجرد كائن لفظي استفهامي بريء، وتداولتها ألسنة الناس بمختلف لغاتهم على هذا الأساس، حيث كان قائلها الطيب البسيط مجرد شخص يريد التعرف على من يوجه إليه استفهامه، بهدف التعرف عليه والاقتراب منه.

ولأن زمن الصفاء في الدنيا قصير، وبسبب ما طرأ على الحياة من تطور وتعقيد؛ لم يعد مجرد السؤال الاستفهامي البريء في اللغة كافيا، الأمر الذي اضطرت معه هذه العبارة إلى تحوير نفسها للقيام بوظيفة أخرى موازية لوظيفتها الاستفهامية الأصلية، وهذه الوظيفة الطارئة هي الوظيفة الاستنكارية الكريهة.

عندما زعق الدكتاتور القذافي بهذه العبارة "من أنتم؟" أجمع كل من سمعه، مهما كانت لغته، على أن القذافي لم يقصد من سؤاله هذا مجرد الاستفهام عن الآخر بهدف التعرف عليه وفهمه، ومن تم التعامل والتعايش معه كإنسان له حقوق وعليه واجبات، بل كان يقصد وبكل وضوح استنكار الآخر وتحقيره وتجريم فعله. وهو أمر دأب عليه المستبد القذافي ومناصروه منذ عرفتهم الدنيا.

ساد هذا الملمح، ملمح عدم قبول الآخر وتهوينه وتجريمه، حياتنا، وصبغ هذا السؤال الاستنكاري معظم خطابات وأحاديث الكبار، ثم تسلل إلى من هم دونهم بفعل القدوة تارة، وتارة أخرى بفعل العدوى، حتى طغى هذا التساؤل الاستنكاري البغيض على السؤال الاستفهامي البريء.

إبان ثورتنا الإعلامية الموازية لثورتنا الحربية على الاستبداد كان لنا كل الحق في طرح السؤال الاستنكاري"من أنتم؟" على القذافي وعصابته، وذلك على أساس المعاملة بالمثل. ذلك لأن القذافي وعصابته تعدوا كل الحدود في احتقار الآخر وبخس حقه، بل وأقفلوا أمامه كل الأبواب، وحسبوا أنفسهم أصحاب حق مقدس في الحكم والهيمنة، وجعلوا من كبيرهم القذافي  نصف إله.

لقد أجاب الليبيون القذافي إجابة بليغة عن سؤاله الاستنكاري "من أنتم؟"، وهي إجابة بلغت حدا من البلاغة والتأثير أنزل القذافي من مرتبة الألوهية وأرجعه إلى بشريته، كما رد لليبيين حقهم الآدمي وكرامتهم البشرية المغتصبة. بل إن هذه الإجابة بلغت حدا أكبر من ذلك، وذلك بقيامها باستئصال صيغة الاستفهام الاستنكاري نفسها من معاجم السياسة والاجتماع.

انتهت الثورة وبدأت الدولة، وتغيرت أشياء كثيرة، كما تلاشت العديد من العبارات التي ارتبطت بالحقبة الاستبدادية السابقة، ولكن وللأسف الشديد، لم يطرأ على عبارة "من أنتم؟" الاستنكارية البغيضة تغير يذكر.


لازالت عبارة "من أنتم؟" الاستنكارية البشعة تحتل في أذهاننا مساحة كبيرة، وتتربع على ألسنتنا، وتسبقنا إلى من نخاطبهم؛ فيبادلوننا استنكارا باستنكار واحتقارا باحتقار ورفضا برفض.

نهض أحد التلاميذ، وقال عذرا يا أستاذ لقد أسهبت كثيرا، ولم توصلنا بعد إلى "زبدة" القول.
ــ كأنك تشير إلى ضرورة اتباع ما درجنا عليه في درسنا السابق من خطوات تبدأ باستدعاء ملامح العهد البائد السيئة، ثم استبدالها بأخرى جيدة؟
ــ أجل يا أستاذ.

وفجأة تدخلت السبورة الذكية، بعد استقبالها وتحليلها لما قاله المدرس وكذا تساؤل التلميذ، وأصدرت صوتها التنبيهي المعروف المؤذن بانتهاء الدرس مصحوبا بالنتيجة التالية:

ــ "من أنتم" الاستفهامية في استعمالها الاجتماعي السياسي هي صمام معرفة وتفاهم ومظلة وئام وقبول وتفاهم.

ــ "من أنتم" الاستنكارية في استعمالها الاجتماعي السياسي عبارة تختزل كل معان الاستبداد والتسلط والتعالي، وهي معول هدم لبنيان الجماعة وإضعاف لها.

النتيجة: رسوب معظم التلاميذ، وذلك بسبب ما علق في ألسنتهم من عبارة "من أنتم؟" الاستنكارية البغيضة.

محمد الشيباني

السبت، ديسمبر 10، 2011

سنة أولى ديمقراطية "1"


سنة أولى ديمقراطية   ‘1’  
بدأ العام الديمقراطي  الليبي الأول، وتقاطر الليبيون بجميع أعمارهم ومستوياتهم على  المدرسة الديمقراطية المنشأة حديثا. وبرغم النقص الشديد في إمكانيات هذه المدرسة إلا أنه تم التغلب على ذلك، واكتمل عدد التلاميذ، وانتظم اليوم الدراسي الأول، ودخل المعلم بزيه الجديد المميز الفصل، حيث تبادل الحاضرون التحية، وأدوا النشيد الوطني.
كتب المعلم على السبورة الذكية، وبخط متألق كبير: مراجعة ما تمت دراسته.
 لم يقع هذا العنوان موقعا حسنا في نفوس التلاميذ، ونهض أحدهم، بعد أخذ الإذن، قائلا:
ــ ماذا تعني يا أستاذ بهذا العنوان؟
ــ نحن المعلمين نحرص على جسر الهوة بين كل مرحلة وأخرى، ولا يتأتى ذلك إلا بعد التأكد من أن الطالب قد استوعب كل الدروس السابقة.
ــ هل تعني بذلك ضرورة مراجعتنا لكل دروسنا الماضية الطويلة القاسية؟
ــ أجل.
ــ ذلك سيأخذ منا الكثير من الوقت، كما أنه سوف ينفرنا ويكسر خاطرنا لا سيما ونحن في مستهل السنة أولى ديمقراطية التي تأهلنا لها من بعد ما خضنا امتحانا شاقا وعسيرا ضد كل بائد قديم.
ــ  ذلك الامتحان الشاق الذي خاضه الشعب الليبي لم يكن سوى مرحلة إزالة العوائق وتمهيد الطريق الموصل إلى مرحلة الديمقراطية. أما خوض مرحلة الديمقراطية نفسها فهو بكل تأكيد أشق وأعسر، وأقل ما تتطلبه مرحلة الديمقراطية الجديدة هو القيام باستدعاء ملامح المرحلة الدكتاتورية البشعة والعمل على تنفير الناس منها وحثهم لإيجاد ملامح معاكسة لها، وذلك وفق عمل ممنهج يؤمن المحو الكامل لكل ملمح سيئ بشع وإبداله بملمح آخر جيد جميل.
وكما تعلمون، فإن ملامح ذلك العهد البشعة كثيرة ويجب أن نشترك جميعا، وبطريقة ديمقراطية من أجل تحديد واستدعاء تلك الملامح السيئة، وجعلها عناصر درس هذا اليوم الأول.

رفع الكثير أيديهم بغرض المشاركة في تحديد أجندة أول يوم دراسي، وتم الاتفاق على أن أهم وأعظم سمات تلك المرحلة وحجر أساسها هو ملمح الحاكم المستبد.
 وباتفاق الجميع على أن الحاكم المستبد هو أهم ملامح المرحلة الدكتاتورية، طلب المعلم من التلاميذ الشروع في الخطوة الثانية من الدرس، ألا وهي تحديد ملامح الحاكم المستبد.
لم يجد الحضور صعوبة تذكر في تحديد هذه الملامح، حيث تم تعداد الكثير منها، كما يلي:
1 ــ التآمر على سلطة شرعية قائمة.
2 ــ التفرد بالقرار وإقصاء الآخر.
3 ــ ممارسة العنف ضد المعارضين.
4 ــ الاستخفاف  بالقوانين وتجاهلها.
5 ــ إهدار الأنفس والأموال.
6 ــ منع حرية التعبير.
7 ــ الإفساد.
8 ــ سوء الإدارة وانعدام الشفافية.
9 ــ  الشخصنة والعصبية والقبلية وحكم العائلة.
10 ــ تقديس الحاكم وتيئيس الناس من إمكانية التغيير.    
11ـ تهوين المبادئ والمثل، وتسفيه الداعين لها.
................
...............
...............
هذا يكفي. قال المعلم، ثم استطرد قائلا: ما ذكرتموه كله صحيح، إلا أن الملمح الذي يهمنا من حقبة الاستبداد وفي هذه الآونة بالخصوص الفاتحة للفصل الدراسي الأول من السنة الديمقراطية الأولى، هو تلك العلة المتمثلة في الهيام المرضي بكرسي السلطة، والذي عانى منه حاكمنا المستبد السابق ومقربوه وأبناؤه حتى وصل بهم الحال إلى بذل أنفسهم في سبيل إشباع هذه النزوة المخجلة!
تعجب الطلبة من ذلك، وسألوا المعلم عن سبب تركيزه على هذا الجانب بالذات، ولاحظ المعلم تعجبهم؛ فسارع بتبرير ذلك بقوله:
إن ما نلاحظه هذه الآونة من تكالب على مواقع السلطة وهيام مرضي بها يعني رسوبنا في أول امتحان تطبيقي جاد بعد انتهاء مرحلة الثورة وبداية مرحلة بناء الدولة، وسوف لن نحقق أي نجاح في أي امتحان من امتحانات الديمقراطية القادمة ما لم نتغلب على هذه العقبة الكؤود، عقبة الحب الغريزي الساذج لكرسي السلطة، ولدرجة خروج البعض منا عن طوره والتضحية من أجل الكرسي بوقاره، وربما بأخلاقه ودينه!
ساد المكان الصمت، وأخذ الجميع يتبادلون نظرات التوجس من تلبسهم بشبهة حب السلطة  الغريزي الساذج، ولم يكسر ذلك الصمت سوى صوت المعلم محاولا تكييف شبهة التعلق الغريزي الساذج بالسلطة مدونا مظاهرها على السبورة الذكية تحت عنوان "مظاهر التعلق المرضي بكرسي السلطة":
1 ــ استغلال البعض لتلك المرحلة الحرجة التي  تشكل فيها المجلس الانتقالي، وقيامه بقذف بنفسه في غرفة القيادة وذلك رغم اصطباغه باللون الرمادي البارز، بل إن بعض هؤلاء المنقذفين كان من المتنفذين في المرحلة البائدة.
2 ــ لباس البعض ثوب الثوار والتكلم بكلامهم ورفع شعاراتهم وحمل أسلحتهم، حتى ليخيل لمن يراهم أن القذافي لا زال متحصنا في باب العزيزية، وأن كتائبه لا زالت تخوض المعارك في كل مكان. وليس هناك من غاية ظاهرة من وراء ذلك لدى هؤلاء سوى جني الفوائد المادية والمعنوية المشروعة وغير المشروعة متخذين من إظهار سلطتهم وسيلة لذلك.
3 ــ اعتلاء البعض للمنابر الإعلامية المختلفة، والتكلف في إظهار نفسه أو قبيلته، وملوحا بأحقيته المقدسة في منصب من المناصب أو وزارة من الوزارات، بل وصل الحال ببعضهم إلى حد فرض نفسه بقوة السلاح.
4 ــ بدل أن تعلو مسحة الحزن واستشعار جسامة المسئولية وجوه من يكلفون بمسؤوليات كبيرة، لاحظنا علامات السرور وتبادل التهاني على بعض تلك الوجوه بما يشي بشعور هؤلاء بالرضا والثقة المفرطة في أنفسهم على الوفاء بمتطلبات الوظيفة.
5 ــ  تلاشت وبشكل سريع مظاهر رقة النفوس وتضرعها وتواضعها التي سادت مرحلة الثورة القريبة العهد منا، وحلت محلها العربدة والتفاخر والتعالي الفج وإظهار القوة عن طريق إبراز السلاح خفيفه وثقيله، بمناسبة وبدون مناسبة.
فجأة انطلقت من السبورة الذكية أصوات صاخبة، وظهرت عليها عبارات تحذير حادة تفيد بانتهاء اليوم الدراسي الأول من السنة الأولى ديمقراطية، ملوحة بنتيجة مفادها: رسوب معظم الحاضرين.
محمد الشيباني
Aa10zz100@yahoo.com



الأحد، نوفمبر 27، 2011

معا من أجل الناخب الرشيد

معا من أجل الناخب الرشيد

معظمنا يعلم أن رحلتنا الطويلة المضنية من أجل الثورة على الاستبداد والدكتاتورية لم تبدأ في فبراير 2011 ، ولكنها بدأت منذ فترة طويلة ربما جاوزت أربعين عاما، قضاها الشعب الليبي رافضا لمحاولات الدكتاتور القذافي في مصادرة كرامة المواطن وحقه  المقدس في أن يكون ناخبا حرا رشيدا يختار حاكميه.

خلال هذه الفترة الطويلة سخر القذافي كل إمكانيات الدولة من أجل تزوير إرادة الناخب، وصنع الكثير من أصناف التزوير وسلب الإرادة. وتأتي نظريته الثالثة، أو ما يعرف بسلطة الشعب في مقدمة هذه الأصناف.

وعلى الجانب الآخر سعى الغيورون على كرامتهم من أبناء الشعب الليبي في محاربة هذا النظام الدكتاتوري الغاشم بكل الوسائل الممكنة، وخاضوا معارك غير متكافئة مع حاكم يرى في نفسه نصف إله، ويرى في شعبه أنصاف بشر، حتى كانت ملحمة فبراير الشهيرة التي أرجعت القذافي إلى بشريته، وردت للإنسان الليبي بشريته المغتصبة لما يزيد عن أربعة عقود.

كلمة " الناخب" هي أشد ألفاظ قاموس السياسة التي كانت تغضب دكتاتورنا السابق وتثيره، فسعى بكل ما يستطيع من جهد من أجل تشويه هذه الكلمة وطمسها، وناضل كثيرا لإيجاد مرادف لها. ولما بلغ به الجهد حده، تقيأ مرادفا نشازا، ضمته عبارة تحوي أربع كلمات لا تمت أي منها بأية صلة لكلمة الناخب، بل إن هذه العبارة استخفت وأنقصت من قيمة المواطن الذي أجبر على حملها والتسمي باسمها؛ تلك هي عبارة " عضو مؤتمر شعبي أساسي"!

" عضو مؤتمر شعبي أساسي"، عبارة طويلة ركيكة لا تفوح منها أية رائحة من روائح الديمقراطية، ولا يظهر عليها أي ملمح من ملامح عزة الناخب وسموه. 

أجل، فقد صنع القذافي متاهة من الكلمات والإجراءات، وأهدر الأموال والأوقات، وذلك لا لشيء إلا لتفريغ كلمة الناخب من محتواها.

ــ لماذا؟

ــ لأن تفريغ كلمة الناخب من محتواها يسهل عملية سرقة أصوات الناخبين، ومن تم وضعها في الصندوق الذي يريده سارق السلطة.

ــ ولكننا انتصرنا على السارق الحصري للأصوات القذافي، ودفناه إلى الأبد في بحر الرمال، ولن نتعرض بعد الآن لسرقة أصواتنا.

 ــ كلا، فالمشكلة لا زالت قائمة، وفيروس سرقة الأصوات، كأي فيروس آخر، يتطور بتطور الظروف المحيطة.

ــ حقا؟

ــ نعم.

ــ هذه مصيبة، لا سيما أننا دفعنا الكثير من أجل استرداد تاج الناخب الذي اغتصب منا عقودا طويلة، والذي لم نفرغ بعد من مسح غبار المعارك عنه. تلك المعارك التي كلفتنا كما هو معروف عشرات آلاف الضحايا ووضعت البلاد كلها في أتون حرب شاملة أكلت الأخضر واليابس.

ــ وهل فعلنا كل ذلك من أجل هذه الكلمة الصغيرة النحيفة، الناخب؟

ــ أجل. فلو أردنا اختزال كل الشعارات التي رفعناها خلال حربنا الطويلة ضد الطواغيت لوجدنا أن كلمة الناخب بمعناها الأصلي الحقيقي تتسع لها وتختزلها.

ــ ولكن هل يعلم المواطنون العاديون البسطاء، محدودو الثقافة والإدراك، وهم كثيرون، بأن أصواتهم الانتخابية على هذا القدر من الأهمية والخطورة؟

ــ غالب الظن لا.

ــ هذا مرعب حقا، وربما استحق التنبيه إليه والتحذير منه؟

ــ حقا، فالجهل بهذا الأمر الخطير يؤدي إلى أعظم المصائب، وأية مصيبة أعظم من أن يتولى سارقو الأصوات وسالبو الإرادات مسئولية قيادة الدولة وحكمها.

ــ سارقو الأصوات وسالبو الإرادات. ما أبشعه من وصف!

ــ نعم، ولكن الأبشع من هؤلاء أولئك المستخفون بأصواتهم المتاجرون بكرامتهم وإرادتهم.

ــ تعني الناخبين؟

ــ أجل. ومن غيرهم!
..............
............
.............
ــ هكذا هو حالكم يا من تكتبون المقالات دائما تتعبوننا بالمقدمات المطولة، ولا تعطوننا "الزبدة" بيسر وسهولة.

ــ وما هي الزبدة التي تريدها منا؟

ــ أخبرونا ماذا نعمل حتى نتلافى هذه المصيبة الواقفة على الباب كما تزعمون؟

ــ بسيطة. نقوم منذ اللحظة بالإعلان عن القيمة الحقيقية لصوت الناخب، والطلب من كافة حاملي هذه الأصوات عدم بيع الصوت إلا بثمنه، ونحرم على مقتني هذه الأصوات اقتناءهم أي صوت إلا بثمنه الحقيقي والعادل.

ــ كأنك تدعو إلى ميثاق شرف يوقع عليه كل من له حق الانتخاب، وذلك بأن يستحلف كل ناخب بأغلظ الأيمان على البر بحق الانتخاب، وأن لا يضع صوته إلا لمن هو أهل له.

ــ أجل.

ــ عدت بي إلى المربع الأول!

ــ كيف؟


ــ لابد قبل الدعوة إلى الميثاق الذي ذكرت من التأكد من الأهلية الثقافية والأخلاقية للناخبين. إذ لا قيمة للمواثيق والناس في جهل عميق.

ــ هذا صحيح، ولكن أخبرني عن أقصر المسارب لتوعية الناخب.

ــ الطريق المبين لتبصير الناخبين هو تعريفهم بقيمة صوتهم الغالي الثمين.

ــ وما هو في تقديرك الثمن المناسب لصوت الناخب؟

ــ ليس هناك من ثمن لصوت الناخب سوى منحه للحاكم المناسب.

ــ حقا إن هذا الثمن لا يضاهيه ثمن!

ــ ولكن ذلك يحتاج إلى ناخب رشيد حر الإرادة. أليس كذلك؟

ــ بلى.

ــ كأنك تشترط ضرورة ترشيد الناخبين، وتحرير إرادتهم قبل دعوتهم إلى الانتخابات؟

ــ بالضبط، ولو اضطرنا ذلك إلى تأجيل موعد الانتخابات عما كان مقررا.

ــ حسنا. لنبدأ. ماذا تقترح؟

ــ من جانبي كمثقف مسكون بهم الوطن مستشعرا خطورة المرحلة، أطلب من كل مثقف التحرك سريعا من أجل تعريف جمهور الناخبين بأهمية وخطورة ما هم مقدمون عليه من عمل، وكذا تعريفهم بأهمية الصوت الانتخابي الذي يحمله كل منهم، وقد اقترحت مجموعة من الشعارات والمقولات التي تبين للناخب دوره وتعمق لديه الشعور بالمسئولية عند إدلائه لصوته الانتخابي.


ــ هذا رائع. هلا سردت لنا هذه الشعارات حتى نطلع عليها، وربما أضفنا إليها مما يساعد على إثراء حملة التوعية والتثقيف الانتخابي، من أجل الوصول بالمواطن إلى مرحلة الكفاءة الانتخابية.

ــ الكفاءة الانتخابية! بدأت فعلا تقنعني بطرحك، وتحفزني على مجاراتك من أجل تأطير الأفكار وإسقاطها على الواقع. أخبرني عن متطلبات شهادة الكفاءة الانتخابية؟
ــ  كما تعلم فإن الشعب الليبي لم يسبق له أن دخل المضمار الديمقراطي، ولا استأنس أدواته الكثيرة المعقدة، فوجدت من المفيد البداية ببعض الدروس الأساسية المعرفة والموضحة للأمانة الانتخابية، الحجر الأساس لصرح أمانة الأمة، واقترحت  بعض الشعارات والمقولات التي سأقوم بطبعها وتوزيعها. كما قمت بإنشاء صفحة على الفيسبوك عنوانها" معا من أجل الناخب الرشيد"، والتي عنوانها:
http://www.facebook.com/groups/144005739040293/
حيث تستهدف هذه الصفحة شريحة الناخبين المتواجدين في الفضاء العنكبوتي، والذين أتشرف بدعوتهم إلى زيارة هذه الصفحة والمشاركة الإيجابية في الحملة الوطنية لتأهيل الناخبين لشهادة الكفاءة الانتخابية.

ــ هذا رائع حقا. إنك بهذا تزيد في حماسي من أجل الإطلاع على ما كتبت من شعارات، وأعدك بزيارة صفحة " معا من أجل الناخب الرشيد " على الفيسبوك، والمساهمة في الحملة التي دعوت إليها.

ــ شكرا لك. وهذه هي الشعارات التي أعددتها، بأمل نجاحها في الوصول إلى الأذهان، بعد ملامستها الأعين والآذان:
  
أخي المواطن الليبي الكريم، ها قد امتلكت صوتك، فاحرص قبل منحه أن تعلم ما يلي:

1 ــ  صوتك هو بصمتك وشفرة جينتك، وهو بهذا غير مكرر ولا ينبغي لأحد سواك.
2 ــ صوتك ملحق باسمك، فاحرص على أن تربط اسمك بكلمة أمين وليس كلمة خائن.
3 ــ صوتك هو شطر كيانك المعنوي ومقياس رجولتك ومرآة شخصيتك.
4 ــ من ساومك صوتك فقد ساومك عرضك.
5 ــ سوق بيع الأصوات هو سوق رقيق العصر الحديث.
6 ــ بيعك لصوتك بيع لمستقبل أبنائك الذين تحب.
7 ــ بيعك لصوتك تحقير لدماء الشهداء الذين بذلوا أرواحهم من أجل أن يكون لك صوت لا يقيل البيع.
8 ــ من أعطيته صوتك بحقه بايعته ونلت درجة المبايع.
9 ــ يوم إدلائك بصوتك هو يوم تساويك مع من هم أعلى سلطة وأكثر منك مالا، فاجعل يوم إدلائك لصوتك يوم وجاهتك وغناك.
10 ــ الوطن ملك مشاع للجميع، وصوتك هو وثيقة تملكك لحصتك في وطنك.   
11 ــ صوتك درجة من درجات سلم الولاية الكبرى ورئاسة الدولة وبيع صوتك إلغاء لهذه الدرجة وسبب لسقوط صرح الدولة وتهاويه.
12 ــ  صوتك إثبات لمواطنتك وتأكيد لها.
13 ــ صوتك دعوة للشهادة، فلا تكن شاهد زور.
14 ــ صوتك هو شرف والشرف لا يباع.
15 ــ منحك صوتك لمن لا يستحق ظلم صارخ لمن يستحق.
16 ــ صوتك منه تنشأ السلطة التي تحكمك فأحسن وضعه يحسن من يحكمك.
17 ــ صوتك صانع القوانين فلا تبعه للمقاولين.
18 ــ إعطاء صوتك لصديقك أو قريبك الذي لا يستحق، توريط له في مهمة لا يستطيعها وتبشير له بالفشل.
19 ــ ندمك عند اكتشاف سوء من يحكمك لا يعوضه أي ثمن مهما علا، ووخز الضمير لا تسكِّنه الدنانير.    
20 ــ إذا أمَّرت من لا يستحق، فقد أمَّرت المرتزق.
21 ــ صوتك صيتك، فبأي ثمن تبيع صيتك؟
22ــ من باع صوته باع بلده، ومن باع بلده فلا موطن له.
23 ــ انتخابك من يزيد، انتخاب بنكهة التصعيد.
24 ــ لا تجعلوا يوم الانتخابات يوم مزاد الأصوات.
25 ــ ستلعن على رؤوس الأشهاد، لو عرضت صوتك في مزاد.
........................
...........................
.................................. الخ
ــ هذا حقا رائع، وسيكون نشره بكافة وسائل النشر، من مطويات، وملصقات، وحتى على هيئة فواصل إعلانية في الراديو والتليفزيون، مفيدا جدا.

ــ إن أمر الرئاسة وأمانة الأمة،  يستحق هذا وأكثر.
وفقك الله.


محمد الشيباني
Libyanspring.blogspot.com