الأحد، يوليو 10، 2011

صوت القذافي، بين زعقة ولادته، وغرغرة نهايته




كان من الممكن أن يوكل القذافي، إلى المذيع المناوب بالإذاعة الليبية، صباح أول سبتمبر69 مهمة إلقاء البيان الأول للانقلاب، كما كان بإمكانه إسناد هذه المهمة إلى أحد شركاء انقلابه، والذين منهم من له صوت رجولي أفخم وأوسع طبقة من صوت القذافي المشوب بنبرة صبيانية، تظهر بوضوح عند شعوره بالخوف.

هناك الكثير من التأويلات لقيام القذافي بتلاوة بيان الانقلاب، لعل أبسطها وأقربها للفهم، هو حرص القذافي على التوقيع ببصمته الصوتية المعروفة لدى شركاه في هذا العمل الخطير، وتأكيد حضوره في زفة الانقلاب، وحصوله المؤكد على حصة الأسد من كعكة النجاح، مع حرصه على إخفاء هويته الشخصية، وإبقائها في مأمن من المتابعة الأمنية، في حالة إجهاض هذا الانقلاب، والذي لن يعدم أعضاؤه، كما دأب القذافي على فعله بمن فكر مجرد التفكير في أمر كهذا، بل إنهم  سيعاملون أسوة بأعضاء حركة انقلابية سابقة، اكتشف أمرها، وحوكم أعضاؤها، ولكن الملك الرحيم، إدريس، رحمه الله، صفح عنهم، وأطلق سراحهم.

هذا مجرد تقديم وتأويل بسيط لتلك الصرخة البائسة في ذلك الصباح المشئوم، والتي مزقت ذلك السكون العميق الذي كان يلف آذان الليبيين ووجدانهم قبل أربعة عقود. وهو تقديم أتيت به من أجل التعريف بتلك الصرخة المشئومة، ومن تم عقد المقارنة الممكنة بينها وبين الحشرجات والغرغرات الأخيرة لصوت معمر القذافي، خلال مداخلاته التليفونية الأخيرة، حيث وجدت تشابها واضحا، بين صوت وإيقاع ومضمون هذه المداخلات، وبين الزعقة الأولى للقذافي، عند تلاوة بيانه الأول.

هناك تشابه لا يخفى على كل أذن بين إيقاع صوت زعقة البيان الأول، وإيقاع صوت حشرجات وغرغرات القذافي الأخيرة، والتي ربما حاول القذافي إخفاءها بأقراص المهدئات، أو بتقنية الصوتيات، إلا أن ذلك كله لم يفلح في إنقاص طغيان هرمون الادرينالين لديه، وتوتر جهازه العصبي، وما ينتج عن ذلك من شد وتوتر للحبال الصوتية لحنجرة القذافي الجافة المتشققة.

كما يظهر التشابه أيضا بين الزعقة الأولى والحشرجات الأخيرة في ما يلاحظه السامع من أنفاس القذافي المتقطعة، وكأنه يقوم بسحبها من بئر عميقة، وكذا ما يقوم به من ضغط لبعض الجمل الصوتية، والقذف بها بسرعة واضحة، وكأن حيز الأثير أمام القذافي المنقلب والمحتضر ، بدا له ضيقا حرجا. وهي حالة يبررها شعور المتمرد ساعة إلقاء بيان انقلابه على نظام تعهد بالمحافظة عليه،  كما تبررها أيضا وتفسرها الحالة التي عليها القذافي الآن، وهو يهيم على وجهه خائفا من أبابيل السماء، ومن زفرات غضب أولياء الدماء.

هذا عن التشابه الشكلي، أما التشابه الموضوعي بين البيان الاستجدائي الأول، وهذه التوسلات الأخيرة، فلا يحتاج الباحث عنه إلى كثير عناء. ذلك أن القذافي إذا خاف تمسكن وأيه بالناس، كل الناس، وإذا تمكن احتقر الناس، كل الناس. وهو ما دأب على فعله طيلة مدة حكمه( يخاف وما يختشيش)، وهذه أيضا للأستاذ المقريف.

أجل. حرص القذافي في مداخلاته الأخيرة على سرد السجل المدني للعائلات والقبائل الليبية، وتتبع شجرة كل عائلة، وتسلقها، وتعلق بكل غصن فيها، ولو كان هذا الغصن قصيا متيبسا.

أيضا تتشابه الصرخة الأولى والغرغرات الأخيرة للقذافي، في تقمص القذافي لشخصية شهرزاد، في ملحمة ألف ليلة وليلة، وربما فاقها في مد حبال وعوده الوردية لدرجة الخيال، وذلك مقابل النجاة من سيف شهريار الذي يراه القذافي لامعا ممتدا من الجبل الأخضر شرقا حتى جبل نفوسة غربا، ومتكأً على سواعد وهامات أسود مصراتة وقيزانها المتفجرة الملتهبة.

إن الفارق الزمني والموضوعي بين شهرزاد وشهريار 1969، وشهرزاد وشهريار 2011  هو الذي يحدث الفارق بين كل مداخلة صوتية للقذافي ولاحقتها، وهو نفس الفارق الذي جعل من الأولى صرخة ولادة مخلوق سياسي غض، لم يكن أمام الليبيين من بد إلا افتراض براءته، وتصديق وعوده المغلفة بأغلظ الأيمان. كما  جعل هذا الفارق من الحشجرات والغرغرات الأخيرة للقذافي لطخات من دم تكبر وتتجمع في كل مداخلة يقوم بها الدجال القذافي، حتى غطت هذه اللطخ أو كادت جثة الطاغية الذي ليس له بعد غرغراته وحشرجاته إلا سقوطه ووفاته.
محمد الشيباني
aa10zz100@yahoo.com
Libyanspring.blogspot.com              

الجمعة، يوليو 08، 2011

أدركوا جرعتكم من لقاح الدجال قبل نفاذ الكمية



كلمتان أدين في معرفتي بعلاقتهما بالقذافي للدكتور محمد يوسف المقريف، من خلال مقالاته العتيقة عن الدكتاتور المعمر، القذافي،  وهاتان الكلمتان هما: الدجال، والملهاة.

أما كلمة الملهاة، والتي تعني كل ما يتلهى به الإنسان، ويجد فيه متعته وقضاء أوطاره، وربما ما شذ وطغى من نزواته وغرائزه، فليس هناك كلمة أخرى تنافسها في تحديد مدلول كلمات المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والسلطة الشعبية والحكم الشعبي والمسيرات الشعبية، آخرها مسيرة سبها ولذيذ تلهي القائد بها، وذلك لدى محرر الشعوب، معمر القذافي. وإني لأجزم أن نظام القذافي وأبواقه سيحرزون المركز الأول عالميا، سجل جينز مثلا، في درجة استعمال كلمة الشعب ومشتقاتها، هذا الاستعمال المفرط والمتعسف والمتكلف جدا.

أما فيما يخص كلمة الدجال، موضوع المقالة، فهي كما يعرف الجميع، تطلق على مخلوق يأتي في آخر الزمان، يدعي الربوبية، ويدعو الناس إلى عبادته وتأليهه، تماما كما يفعل الآن معمر القذافي، والذي أعتقد أنه الجرثومة المعالـَجة لتكون لقاحا، لمن يريد، ضد الإصابة القاتلة بفيروس المسيح الدجال في صورته الحقيقية، حفظ الله الجميع شره.

الدجال الحقيقى يدَّعي الربوبية، أما جرثومته ونسخته المصغرة، معمر القذافي، فيقول أنا المجد. وفي القرآن" وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد"،  وفي الإنجيل: المجد لله في السماء.

الدجال الحقيقي يوغل في دماء من لا يؤمن به ويصدقه، وها هو جرثومته، الدجال القذافي، يوغل في دماء كل مواطن ليبي، يقول له كفاك استعلاء وتسلطا لأكثر من أربعة عقود.

الدجال المنتظر يوهم ضحاياه بقدرته على الإحياء، وتحقيق الخوارق. والشيء نفسه فعله ويفعله القذافي، وذلك عندما يتعمد الظهور في أنه صاحب الكلمة الأخيرة في تحديد مصير من وقع بيديه، فيحييه ويسعده إن مشى على أربع، وجثا أمامه في خيمة الدجل والبهتان، وما أكثر من فعل ذلك، أو يشقيه، وربما ينهيه، إن قال ربي الله.

المسيح الدجال تظهر على جبهته كلمة كافر، أو آيس من رحمة الله، ولا يرى هذه الكلمات إلا من لامس الإيمان قلبه. والقذافي لا يحتاج المؤمن المتمعن في عينيه، وتقاسيم وجهه، إلى كثير عناء في إدراك أنه البروفة الأخيرة للدجال الحقيقي المنتظر، وأنه آيس من رحمة الله.

ليس ثمة شك في أن القذافي، هو آخر الديناصورات الدكتاتورية، وأن أمر انقراض سلالته مرهون بنهايته التي باتت قريبة، وهو ما يدعو إلى اغتنام فرصة بقائه القصيرة هذه، وبذل كافة الجهود من أجل استخلاص لقاحات دجالية كافية،  تفيد الكثيرين ممن سيقدر لهم الابتلاء بالإصابة المحققة من الوباء القاتل الذي سينشره الدجال الحقيقي القادم، حفظ الله الجميع منه.    
    
 محمد الشيباني
aa10zz100@yahoo.com


الأربعاء، يوليو 06، 2011


أنا، واولادي، واحفادي، وبس.

في بداية الثمانينات، بلغ أبناء القائد سن الصبا، وبدأت صور العائلة السامية تأخذ طريقها إلى وسائل الإعلام، التلفزيون أهمها، تدشينا فيما يبدو للألبوم الذهبي للعائلة الامبراطورية الصاعدة.

وفي ذات ليلة من ليالي الثمانينات الكئيبة، وأنا أتناول وجبتي الإعلامية القسرية، عبر تلفزيون الجماهيرية، ظهرت صورة القائد الدكتاتور الشاب، وهو يحتضن صبيته الأمراء، متعمدا إظهار حنانه الأبوي الدافق تجاه عائلته الصغيرة، وذلك كما يفعل نظراؤه من رؤساء الدول الديمقراطية، والذين يحاولون دائما أن يظهروا لناخبيهم مدى رومانسيتهم،  وصفاء ورقة قلوبهم، وانسجامهم الاجتماعي، ووئامهم العائلي، وذلك كسبا لثقة أولئك الناخبين.

"إحنى عيلة وهذا بونا". كم كانت هذه الأغنية متوافقة ومنسجمة مع المشهد الذي ذكرت، مشهد عش القائد وعائلته، وإني لأجزم حصول القائد على كل أصوات الليبيين، لو قام مدير حملته الانتخابية بجعل هذا الكليب البديع في مقدمة البرنامج الإعلامي للرئيس الشاب، لولا أن القائد وجد البرنامج الدكتاتوري الجماهيري البديع، أجدى بكثير من البرنامج الانتخابي المرهق العسير.

 حقيقة الأمر أن الحالة التي كنت عليها تلك الليلة من ليالي الليبيين السوداء في بداية الثمانينات كانت مخالفة تماما لما تلقيه صورة القائد وعائلته من أنس وود وانسجام، حتى وإن قام المخرج باستدعاء تلك الأغنية التي ذكرت من حجب الغيب، وجعلها خلفية لتلك الصورة المؤنسة.

في تلك الأيام الثمانينية المشئومة، كانت أخبار تجنيد الصبية والشباب، وهم في مراحل تعليمهم الإعدادي والثانوي والجامعي  قسرا،  والزج بهم في معسكرات تقذف بهم، في أحيان كثيرة، ومباشرة إلى جبهة حرب حقيقية، تشاد مثلا، أخبارا متواترة جدا. كما كانت حكايات اعتقال الصبية والشباب، صبية وشباب الليبيين العاديين، والتحقيق المرعب معهم في دهاليز أجهزة  الخوف، ومن تم اختفاء الكثير منهم، حتى يصدم أهليهم ومعارفهم ذلك الكليب التثقيفي التحذيري المرعب الذي يتضمن مشاهد جثت أبنائهم، وهي تتأرجح على خشبة مشنقة، في عرس ثوري بهيج، أقامه مريدو القائد له، لعلمهم أن القائد يحب ذلك المشهد ويعشقه ويعشق إظهاره للشعب الذي يحكم، تماما كما يعشق تلك الجلسة الرومانسية الحالمة مع أفراد عائلته الملكية، ويعشق إظهارها لبني شعبه.
 خطر عليَّ استدعاء هاتين الصورتين، بعد ما سمعت كما سمع الكثيرون عن أخبار قبول القائد بالخروج معززا مكرما، وهو يصطحب معه زوجته وأنجاله وأحفاده، و.......؟. لا. وبس.

أجل. أنا وأولادي، وأحفادي، وبس.

غير أن هذا الخبر مجرد خبر إعلامي، لا يمكن الوثوق به، إلا بدليل.

ليس لدي دليل، سوى الصورتين اللتين عرضت، برغم ما يوجد عليهما من آثار الزمن.

تُرى هل يعلم أولئك الصبية والشباب، الذين يرددون الشعار العار، معمر وبس، أن معمر هذا لا يعدو كونه دكتاتور متسلط لأكثر من أربعة عقود، وأن أرشيفه المخزي يحوي، ضمن ما يحوي من صور مرعبة كثيرة، الصورتين اللتين ذكرت.        

وهل يا تُرى يعلم أولئك الكهول، وربما الشيوخ الذين لا زالوا بجوار القائد القاتل، بأن مجرد وقوفهم هناك بجوار قائدهم،  هو بمثابة طُعم الموت لأولئك الصبية والشباب الغافلين، والذين لم يشاهدوا، كما شاهد الكبار، صور الثمانينات والتسعينات، بو سليم مثلا، والمعبرة أصدق تعبير عن التاريخ الإجرامي للقائد السفاح.

العجيب في الأمر أن القائد لا يخفي حقيقته المرعبة.

كيف؟

بكل جرأة قال لمن حوله، في خطابه الأخير، أنه لا يعنيه انشقاق من ينشق، فعنده في الحظيرة بدل السفير ألف، وبدل الوزير ألف!!!

أجل. هكذا وبدون مواربة.

تُرى كم يتكدس في حظائر العقيد الكثيرة، من أولئك الصبية والشباب المساكين، وكم يا تُرى يمكنه أن يستبدل المفقود منهم بغيره.

لو أجاب العقيد لأتى بعدد أكبر من الأول، الواحد بعشرة آلاف مثلا.

مساكين أولئك الصبية والشباب المغرر بهم، والذين ولكثرة ترديدهم لكلمتي معمر وبس، فإنهم قد يموتون في جبهات الشوارع، أو جبهات الحرب ، وهم يرددون هذه الشهادة الآثمة، معمر وبس، بدل ترديدهم شهادة الإسلام.

أنا، وأولادي، وأحفادي، وبس.

أجزم أن معمر الذي أعرفه يقولها ويعنيها.

فهل من مدكر؟

محمد الشيباني
aa10zz100@yahoo.com

الثلاثاء، يوليو 05، 2011

دعوة لاقتراح شعار ثورة 17 فبراير المجيدة



جديرٌ بنا، نحن الليبيين الذي صنعنا، بعون الله وتوفيقه، ربيع ليبيا البديع، أن نطلق أبصارنا إلى أقصى مداها في الرياض العذراء لهذا الربيع الليبي الحالم، ونحلق بأفكارنا ورؤانا في آفاقه التي لا حدود لها، ونعتز بكبرياء ونحن نضع أصابعنا في أعين كل الذين استمرءوا الوصاية علينا عقودا طويلة، وأجبرونا خلالها على ابتلاع ما تقيئوه من شعارات منفرة مقززة.

لا أعني بالشعار علم البلاد وما يحمله من رموز، ذلك أن علم الاستقلال حظي بشرف ولادة الدولة وإجماع الآباء المجاهدين المؤسسين للدولة الليبية الحديثة، إنما الذي أعنيه هو شعار لفظي ذي دلالات وجدانية بليغة، ترسم بعبارات موجزة معالم مستقبل دولتنا التي قدمنا ثمنها دما ودموعا وعمرا ومالا، ولتحل هذه الشعارات محل الشعارات اللفظية البائدة التي أغرقنا بها الدكتاتور المقبور.

يردد الناس، إغراءً أو إجبارا، أي شعار يرفعه الحاكم المتسلط، غير أن الترديد وحده لا يمكن أن يُعوَّل عليه في تحقيق ما تدعو إليه هذه الشعارات، والتي لم تُرفع إلا لتصطف تحتها الجموع العارفة بمضمونها، والموقنة بأغراضها، والحالمة بمآلاتها ونتائجها.

الشعارات لا تُهدى أو تؤلف بالوكالة، ولا تفرض على الناس فرضا، لأنها بذلك تنتقص من كرامة وشأن حامليها، وتستخف بعقولهم، وهو ما يؤدي إلى هوان إرادة الشعب وخورها وعجزها عن تنفيذ أي من تلك الشعارات مهما تفنن الماكرون في تسويقها والترويج لها.

أمضى دكتاتورنا السابق العقود الطوال، وهو يكد عقله القاصر، ويستحث بحماقة ظاهرة ذكاءه الفطري المخجل، من أجل أن يرهق أسماعنا بشعارات ومقولات جوفاء، تنضح قصورا، وتنز سفاهة وفجورا، مستغلا سطوته، وسفاهة ونزق بطانته، في تكريس هذه الشعارات، وحقنها في أذهاننا، وزرعها على ألسنتنا، وإن رفضنا كل ذلك ومقتناه.

نسي الدكتاتور المعمر أن الشعار الحقيقي الذي يتبناه الشعب، أي شعب، إنما هو عقد اجتماعي لا تكتمل أركانه إلا بحضور واكتمال ضمائر وإرادات كل أبناء المجتمع المعنيين بهذا الشعار، وهم في كامل وعيهم وعلمهم ورضاهم وقبولهم.

 (حرية .. اشتراكية .. وحدة)
شعارٌ عثر عليه حاكمنا العسكري الجلف السابق، وهو يحوم في مقبرة أنظمة فاسدة منقرضة، وينبش آثار حكام متسلطين أجلاف قبله، كانوا قد حكموا شعوبهم بالحديد والنار، وأوهموا الغافلين منهم بأنهم أصحاب رسالة إنسانية سامية، قوامها ما تحمله هذه الكلمات الثلاث من معان وأفكار ومثل وغايات وأهداف.

هذا الشعار هو من أول الشعارات التي رفعت في بلادنا في الحقبة السابقة، أهداها إلينا الزعيم المفكر، وألفها في غيبة منا، وبالوكالة الجبرية عنا، مستهينا بكرامتنا، ومستخفا بعقولنا، ومحقرا لإرادتنا. ولم يمض سوى وقت قصير حتى قام بمسخ تلك الشعارات وعبث بمعانيها، فإذا الحرية استعباد، والإشتراكية إفقار، والوحدة تشتيت. فعل المستبد كل ذلك بناء على تمتعه بحق اختراع هذه الشعارات، وغياب كل إرادة عدا إرادته، مستغلا بالطبع ما كنا فيه من غفلة ، وما كان عليه بعضنا من حمق وسذاجة.

"الجماهيرية"
وهو الشعار الطلسم، والعنصر الأهم في تلك التركيبة السحرية التي أوحى بها الشيطان إلى صنيعه القذافي، عندما لاحظ عليه ترنحه جراء الضربات المتتالية التي تعرض لها نظامه الدكتاتوري في أواسط سبعينيات القرن الماضي، من قِبل بعض المستنيرين من ضباط الجيش والمثقفين، والذين اكتشفوا مبكرا حقيقة هذا الدكتاتور ونواياه، حيث واجههم العقيد المستبد بكل عنف وقسوة.

شعار الجماهيرية وما يحمله من فوضى في شكله ومضمونه هو التركيبة الإبليسية المهداة إلى القذافي، والتي أراد بها، القذافي، حسب ظنه القاصر، قطع الطريق أمام كل من يتجرأ على التفكير في إمكانية التغيير؛ فكلمة الجماهيرية في ظن مخترعها هي ذلك الطلسم السحري الذي يغشى العقول والأبصار، ويشل الجوارح والأفكار؛ فمن ذا بإمكانه زحزحة الجماهير المالكة والحاكمة للجماهيرية، ثم يتقدم ويحكم بدلا عنها. ومن ذا يتجرأ من أفراد هذه الجماهير الغفيرة التي حررها صانع الجماهيرية، ويرفع صوته على الذات العلية التي خلقت الجماهيرية، ويفكر مجرد التفكير في إزاحة القائد الرمز عن عرش الجماهيرية، وينتزع منه تاج عصر الجماهير الذي أحضره القائد الفاتح من هناك، من عالم سحري بعيد لا قبل للناس العاديين به، ولا بفهم ألغازه وأحاجيه. وهو أمر بينه مبدع عصر الجماهير في خطابه الأخير، عندما  أكد عدم فهم العالم، كل العالم، حقيقة ما يجري في جماهيريته، وذلك برغم مرور العقود على تأسيسها!!!!!!.

تتالت وتكدست الشعارات علينا، بعد الشعارين اللذين ذكرت، وعمد المهرجون إلى ترهات الكتاب الأخضر، ورفعوها إلى مرتبة الوحي السماوي، وصنعوا لها البراويز المذهبة، وطافوا بها المدن والأمصار، وترجموها إلى كل لغات العالم، وأرغموا أطفالنا على ترديدها، كما أجبروا دواوين الحكومة على وضعها في مقدمة كل رسالة وكتاب.

لا أزعم أنني قد أتيت بجديد، وانا أقدم لهذه الدعوة، دعوة مشاركة الجميع في صياغة شعار عذب بديع، ينزع من حلوقنا مرارة الشعارات القذافية المنقرضة، واقتراح شعار يليق بهذه الثورة المباركة التي كلفتنا الكثير من الشهداء الأبرار، إبان الحرب الباردة التي استمرت عقودا، وكذا في هذه  الحرب الساخنة التي فرضها علينا خاتم الدكتاتوريين والمتسلطين، عليه من الله ما يستحق.

إننا بتلبيتنا لهذه الدعوة، واقتراح شعار ثورتنا التي نخوض، ودولتنا التي نرتقب، إنما نضع اللبنة الأولى في أساس الحكم الديمقراطي الرشيد الذي سنقيمه بعون الله، وذلك بعد قيامنا باجتثاث آخر الأورام السياسية الخبيثة، والذي يعرف عالميا باسم مخترعه ومخلقه، الدكتاتور القذافي الذي قام بتسويقه وترويجه تحت أسماء وشعارات مثيرة، من أهمها: النظام الجماهيري البديع، ونظام عصر الجماهير، وغير ذلك كثير. 

 كما أننا نعمل بهذه المشاركة على مساعدة المجامع والمجالس المرتقب تشكيلها لتدشين بناء الدولة الليبية المرتقبة، على التفكير في الاتجاه الصحيح، والذي لابد وأن ينسجم مع تصورات ورؤي الشعب الليبي صاحب هذه الثورة وصانعها، بدونما جميل من ضباط متمردين تسللوا في حلكة ليل وغفلة نائمين، وكذا من غير وصاية صالونات  صفوة أو نوادي نخبة.

إننا إذ نلبي هذه الدعوة، فإننا نقوم بإرسال رسالة بليغة إلى كل من يهمه الأمر مفادها: أننا نحن الشعب الليبي المنتفض على الدكتاتور المعمر، أثبتنا قدرتنا على ملء كل فراغ أحدثه، أو قد يحدثه انهيار هذا النظام المترنح، ولو كان هذا الفراغ ذلك الحيز الكبير الذي سينتج عن سقوط واحتراق جبال الشعارات المزيفة التي أقام عليها النظام الاستبدادي السابق بناءه المتهاوي.

ولتفعيل هذه الدعوة، فإنني أدعوكم إلى زيارة صفحة الفيس بوك، المعدة لهذا الغرض، والتي رابطها هو:
 دعوة لاقتراح شعار ثورة 17 فبراير

مع دعواتي بالتوفيق.

محمد الشيباني
aa10zz100@yahoo.com



الأحد، يوليو 03، 2011

رسالة لم تصل، فحصل الذي حصل

إلى الثوريين الشيوخ   

الذي أعرفه أن وهدة الشيخوخة تبدأ دركاتها عند سن الخمسين، مهدهدة أصحابها على بقايا إيقاعات سن الشباب التي أدبرت إلى غير رجعة، وساحبة إياهم برفق مريب، وبمكر لا يخفى على أريب،  على مدى عشرة الخمسين السريعة، قاذفة بهم، أي الشيخوخة، نحو محطتي الفرز الأخير الستين والسبعين اللتين لا ينجو من شركهما إلا من قدِّر له أن يعمر ليُنكَّس في الخلق .
 
ليس فيما قلت من جديد سوى التذكير والتأكيد  على أن إرهاصات رحلة النفس والجسد نحو المصير المحتوم، " المغادرة"، تبدأ في سن الخمسين.

كما أنني أعرف أيضا أن إخوتنا الثوريين المعتلين كل المناصب الهامة في دولتنا الليبية جميعهم شيوخ، ومنحدرين مثلي صوب  تلك الوهدة، وهدة الشيخوخة البغيضة المؤدية مباشرة نحو بوابة المغادرة ذات الاتجاه الواحد.  

إن مجرد كلمة مغادرة، باستعمالها السائر البسيط، تلقي في نفسي، أنا الخمسيني مثلكم، معاشر الثوريين الشيوخ، مشاعر الخوف والحذر والترقب وتوقع الأسوأ. حفظ الله الجميع.

ما شرعت مرة في رحلة مغادرة، ولو من بيتي إلى مقر عملي القريب، إلا وتراءت أمامي أصناف التوقعات الملونة بكل ألوان الخوف مما تفاجئ به الدروب عابريها.

لست هنا بصدد إلقاء موعظة عن حالة المغادرة بصورها المتعددة المعروفة، والتي قد تكون كالرحلة القصيرة التي ذكرت، أو كتلك الرحلة الرهيبة البعيدة القريبة، والتي تجبر فيها الروح على النفاذ من أقطار السماوات، ويجبر الجسد على النفاذ مفتتا خلال أطباق الثرى.

أقول إنني لست بواعظ ومبين لأمر ظاهر كالشمس كأمر النهاية المحتومة، الموت، الذي يتهدد الجميع، ذلك لأنني مهما وعظت ووعظ غيري، فإن تلك المواعظ لن تكون أبلغ وأشد وقعا من غيبوبة سكر، أو ضغط دم، أو اضطراب دقات قلب، أو بوادر فشل كلوي، أو قصور رئوي أو كبدي. والذي لابد أن معظمكم وهو في هذه السن، سن الشيخوخة،  قد عانى من كل هذه الحالات أو بعضها،  والتي ما هي إلا بروفات سكرات الموت المعلنة عن حلول رحلة المغادرة الأخيرة المشهودة الكبرى.

جربت بعض بروفات الموت تلك، وتسآلت،  وأنا أعالجها بواهن وخافت أناتي وزفراتي، وهي تعالجني بأشد ما لها من نوبات، كيف لا يكون لبعض الشيوخ أمثالي، والحاكمون المسيطرون منهم على وجه الخصوص، والذين لا بد أن معظمهم قد عانى من الذي عانيت، كيف لا يكون لهم من وقفة أمام هذه البروفات لتلكم السكرات.      

إن الوقفة التي أعنيها وأنشدها، بل وأنصح بها كل من هم في هذه السن، سن الشيخوخة، وعلى الأخص الذين ابتلوا بأعباء وظيفة عامة حملوها السنين الطوال كتلك الوظائف الكبيرة الخطيرة التي نعرفها، والتي ليس هناك من شك في اقتصار معظمها على فئة الثوريين، إخواننا في الوطن والعرق والدين، هي كتلك الوقفة التي يقفها ذلك الملك الطاعن في السن، والعالق في قاع وهدة الشيخوخة،  وهو ينظر بشفقة وحسرة وألم إلى ابنه الوحيد المعاق الذي لا يستطيع بسبب إعاقته أن يستفيد من إرث أبيه، وأن يشغل مكانه إذا خلا.

أجل أنتم أيها الثوريون الشيوخ آباؤنا وملوكنا، ونحن أبناؤكم القصر المعاقون الضعفاء، وما ترونه علينا من إعاقة وقصور فكري وسياسي أنتم من سببتموه لنا، وذلك عندما حرمتمونا فرصة التدريب على إدارة شئون دولتنا وتسييرها، واحتفظتم بشفرة مفاتيحها لديكم.

أنتم الذين ، وبدافع حرصكم علينا، منعتمونا من مجرد بروفات بسيطة نجرب بها كيفية الجلوس على تلك الكراسي الباذخة، وإدارة، ولو على سبيل التجربة وإشباع الفضول الفطري البريء، مقود الحكم والسيطرة الذهبي العملاق الملتصق بأيديكم  بلحام وغراء قوي لا يزيله سوى ماء غسلكم الأخير، ورائحة حنوطكم، وأصوات النائحات عليكم.

 أنتم الذين أجبرتمونا على التفكير في اتجاه واحد وبطريقة واحدة سببت لنا شللا فكريا دائما وإعاقة سياسية قائمة.

نحن الذين لم نحظ منكم بجلسة رومانسية حالمة، نتمكن خلالها من رؤية جفونكم تتحرك بوتيرتها المطمئنة الوادعة المعتادة،  كاسرة بهذه الحركة وتيرة تلك التفنيصة البغيضة التي أدمنتم، واعدين إيانا وعد الرجال الثوريين الديمقراطيين الأوفياء باشتراكنا جميعا في حكم الوطن الذي حرمتمونا شرف وأجر حراسته والمرابطة عل ثغوره الحقيقية، كراسي السلطة وغرف السيطرة والتحكم والقيادة، لا حراسة المدارس، ومفترقات الطرق الخالية، وربما المقابر المهجورة.

نحن الذين سمرتمونا على تلكم الكراسي الخشنة الباردة في قاعات المؤتمرات الشعبية المجذبة، وقلتم لنا هذه هي كراسي الحكم وقاعات السيطرة وجنة الخلود الأرضي، فأجبنا الدعوة، وتجمهرنا، ودفع بعضنا بعضا، وسقط منا البعض تحت أقدام البعض، مرة بحجة التصعيد، ومرة أخرى بحجة الصراع السلمي على السلطة، وثالثة بحجة العنف الثوري. ومن بقي منا بقي متيبسا مستندا على كراسي الحكم المزيفة، لم يوقظه إلا دبيب دابة الأرض تأكل أرجل تلك الكراسي المتداعية، والتي نخرها سوس التسويف وصدأ الانتظار، فهوت وهوى من عليها، عضو المؤتمر الشعبي الأساسي البائس المسكين، وفي يده بطاقة عضويته التي لا تؤهله إلا للتجنيد الإلزامي ، أو الحصول على فتات الجمعيات الاستهلاكية، وبقيتم أنتم ملوكا متوجين على كراسي الحكم الذهبية الحقيقية، وبأيديكم البطاقات المصرفية متعددة الأصناف والألوان، منعمين في فردوسكم الأرضي الحقيقي الخالد. اللهم لا حسد.

أي معنى للديمقراطية مهما كان نوعها في بلد يبقى فيه الوزير وزيرا ما بقى الليل والنهار.

أي معنى للديمقراطية في ظل وصاية فكرية وسياسية ونظرة أحادية ترى في مخالفها الفكري عدو وجودها.

لا معنى لسلطة الشعب ولا مذاق لعسلها اللذيذ وهو يلقم بعنف وإكراه في أفواه من أجبروا على ابتلاعه ولو لم يستسيغوه.

ليس هناك أي دليل على وجود ديمقراطية ما ظل دليل الاستحواذ على الكرسي والمنصب قائما معربدا متجاهلا أبسط صيغ الديمقراطية، ألا وهي صيغة التعدد والتنوع وتداول السلطة بدون قيد أو شرط.   

أسوق لكم مثلا بسيطا على هذه الظاهرة الكبيرة الخطيرة، الاستحواذ. في مؤسستي الصغيرة التي أعمل بها، والتي قاربت على التقاعد منها، لم يظفر بالكرسي الأول فيها والكراسي المجاورة له، إلا أولئك الحاصلين على البراءة الثورية، في صيغتها الأصلية أو المزورة. وهي براءة لم تمكنني مواهبي من اقتناء نسختها الأصلية، كما لم يسمح لي ضميري بسرقة نسختها المزورة تلك، وادعاء ما ليس لي. فلم أتمكن تبعا لذلك من الحصول على أي وظيفة قيادية بهذه المؤسسة طول عمري الوظيفي في هذه المؤسسة التي أعمل بها، والتي هي الصورة المصغرة لمؤسستنا الكبرى ، ليبيا التي تقودها قلة وتملكها شلة.

دعونا الآن من تلاوم الشيوخ، ولنعمل جميعنا، نحن الشيوخ، والثوريين الملوك منهم على وجه الخصوص، والذين لابد إنهم يسمعون مثلي جرس نداء المغادرة يصلصل في أسماعهم. لنبدأ جميعا عمل ما هو أهم، ألا وهو كتابة وصيتنا الواجبة شرعا كما تعلمون، والتي لابد أن تتضمن، بعد إثبات ما لنا وما علينا طرف الآخرين، النصيحة لأولئك النشء المقتدين بنا، الناظرين إلينا، المصغين لنا، معلمين إياهم فيها بما يجب عليهم فعله من بعدنا. وأي شيء يا ترى يمكن أن نوصيهم بفعله من  بعد مغادرتنا  الوشيكة هذه أهم وأخطر من كيفية حكم بلدهم؟.

لابد أنكم ستوصونهم بنظام حكم سلطة الشعب الذي لا سلطة لسواه. أوافقكم على ذلك، ولكن بشرط واحد وهو: أن تصدقوا مع سلطة الشعب، ولو في  هذه المرة الأخيرة. اصدقوا مع مضمون وصيتكم، وتخلوا عن السلطة المتشبثون بها والمستحوذون عليها، وسلموها مع وثيقة الوصية المذكورة للشعب .

لا أستبعد قبول الكثير منكم  كل أو بعض ما قلت، كما لا أستبعد بأن معظمكم يسمع صدى صوتي هذا مترددا في ساحة الوطن ستة ملايين مرة بعدد ضمير كل حي، ولا أستبعد كذلك أن ما يمنعكم من إبرام هذه الوصية والتخلي عن مناصبكم وكراسيكم العتيقة إلا الصيغة الإجرائية لاستقالة جماعية مزلزلة كهذه، وما يمكن أن تحدثه من ضرر على الدولة وعلى النظام.

أقدر فيكم هذا الشعور النبيل، ولكنني أريد أن أذكركم بما تعلمون. أذكركم بحدث يتكرر كل أربع سنوات هناك لدى أعظم دول العالم، أمريكا، وذلك عندما يأمر الشعب الأمريكي كامل الحكومة بالمغادرة وإخلاء أماكن الحكم وكراسيه فيسمع حكام الأرض، الوزراء الأمريكان، النداء ويطيعون وجميعهم يغادرون، وتبقى أمريكا الدولة، ويبقى النظام. وكذلك تفعل جارتنا مالطا الصخرة العالقة في بحرنا الكبير الذي نتكئ على ذراعه الطويل مطمئنين !!!.

لا تخافون عليكم منا، فنحن بتخليكم عن كراسيكم سوف نكون أكثر قربا منكم، وأوفر ثقة بكم، وأعظم حبا لكم. أجل إن استقلتم سنكبر فيكم ذلك التصرف الثوري  الحقيقي  الشهم النبيل،  وسنحبكم أكثر.

لا تخافون على النظام، فالنظام حيويته في حركته، وموته في ركوده وتكلسه. أجل سينتعش النظام بإزالة الجلطات الراكدة في عروقه  التي سببها تسمركم  في مكان واحد من تلك العروق مانعين سريان أي دماء جديدة بها.

لا تخافون على الدولة، والتي لم تعد دولة، وذلك لما آل إليه حالها بتسبب تشبثكم بكراسيكم. سوف تكون الدولة بألف خير عندما تحمل على عواتق الكثرة الكاثرة بدل  حملها على عواتق القلة الخائرة.

وأخيرا أريد أن أطمئنكم، أيها الثوريون الحاكمون الشيوخ، وأعلمكم وأقسم لكم بأغلظ الأيمان بأنه ليس لي، ولا  للكثيرين أمثالي الداعين بمثل دعوتي هذه، أي  طمع في كرسي أحدكم الذي سيتخلى عنه، وإنما طمعي هذا لا يتعدى أن تتيح لي دعوة كهذه مجرد  جرعة من عزة نفس، وأمن سرب، ينزعان من ذاكرتي ذل السنين، ووحشة الوطن وغربته، وكل ذلك لا يتأتى إلا عندما أرى الحكام مجرد مدراء يديرون شأن الوطن بالدستور والقوانين، وأرى النظام الحاكم مجرد شركة تشغيل سياسي للدولة تؤدي مهمتها وفق عقد بينها وبين صاحب العمل الذي له الخيار الكامل في تجديد هذا العقد أو إلغائه.

لم لا فليس ذلك على الله ببعيد.


محمد عبد الله الشيباني
أحدث ما في ليبيا من جديد

شبق المستبد العقيد ، وشذوذ الثوري المُريد

 أو

متلازمة ش ش
 
يظهر الإنسان أسوأ ما يظهر وهو يعاني من حالة انفلات حيواني غريزي. وأسوأ أنواع هذه الانفلاتات الغريزية وأبشعها هو ما ارتبط منها بالغريزة الجنسية، وذلك في صورة شبق مخجل، أو شذوذ قذر. ويزداد الأمر سوءا إذا ما ظهر الإنسان بمظهر الشبق وهو يمارس حياته الاجتماعية العامة.
 
وكما هو معلوم فإن أعلى مرتبة أو درجة اجتماعية يمكن أن يبلغها إنسان هي تلك المرتبة التي يكون فيها أمير قومه وراعي شئونهم وسائس ركبهم، وهي مرتبة تعلو حتى تلامس السماء عندما يكون صاحبها إنسانا، وتهبط حتى تبلغ الحضيض عندما يكون صاحبها حيوانا.
 
استدعيت مضطرا لفظي الشبق والشذوذ الجنسي، وحاولت سحبهما على ما هو عليه حال القذافي الشبق ومريديه الشاذين، ذلك لأنني لم أجد تعبيرا أبلغ وأدق من هذين التعبيرين في وصف تلك الحالة التي ظهر عليها القائد الفذ  معمر القذافي وهو يدافع باستماتة عن مغنمه السياسي العتيد، وكذا ما ظهر عليه أولئك المفتونين المأفونين الشاذين، وهم يذوبون فتنة وتعلقا بمن أدمن إيذاءهم ومارس عليهم صنوف الإذلال والهوان.
 
أجل إن حالة الشبق والشذوذ، أو متلازمة ش ش هي أخطر الأمراض الاجتماعية والسياسية التي عانينا منها طوال العقود، والتي قدر الله أن نستغرق كل هذا الوقت، وأن نكابد كل هذه التكاليف في اكتشافها. وما كان لنا أن نفعل ذلك لولا الثورة الشعبية العارمة التي كشفت عن المستور لدى الطاغية المريض، وكذا لدى الذين لا زالوا متعلقين به مستميتين في الدفاع عنه رغم ما بدا عليه من شر وما ظهر منه ضرر.
 
لقد تأكد لنا، وبما لا يدعو مجالا لأي شك، في أن الحالة التي عليها حاكمنا هي حالة شبق حيواني غريزي مرضي مفرط تجاه كرسي الحكم وحب ممارسة السلطة، مع ما يصاحب هذه  العلة كما هو معروف من علل أخرى ملازمة؛ مثل علة الكبر وحب الذات والخوف والريبة من الآخر ولو كان هذا الآخر من بني جلدته أو عضو مؤتمر شعبي أساسي تلهى به هذا الشبق المريض العقود الطوال.
 
ظهرت أعراض حالة الشبق هذه على صاحبنا في مناسبات سابقة عديدة لكنها لم تكن بدرجة الوضوح التي ظهرت بها هذه المرة، ونحن نرى هذا المريض وهو على استعداد بأن يدمر كل شيء, ولو كان هذا الشيء الوطن الذي يحكم والناس الذين يسوس، بل وحتى عائلته الصغرى التي يحب، وذلك كله لا لشيء إلا لأجل حصوله على جرعة إطفاء حالة الشبق المعربد لديه، وهي حالة لم تزدها شيخوخته إلا انفلاتا، ولم يزده العب من مستنقعها الآسن طوال العقود إلا عطشا وحرقة. 
 
أجل إن درجة طغيان هرمون عشق السلطة لدى القذافي بدا في أعلى مستوياته المعروفة، متخطيا بذلك مستوى كل الهرمونات المعروفة الأخرى البانية لكيانه الحيوي. وهي حالة سوغت له العبث بكل شيء ولو كان هذا الشيء هو الشعب الليبي بأكمله الذي اتخذه هذا الشبق المريض ملهاة له وموضع تنفيس لفوراته ونوباته الممتدة لعقود.
 
أربعة عقود ونيف على كرسي الحكم قد تبدو أكثر من كافية لاستيفاء الإنسان العادي غير المريض حاجته من التسلط والهيمنة على الآخرين، وكذا بلوغ درجة الإشباع وربما الملل من حكم دولة من دول العالم الثالث مثل ليبيا.
 
أكثر من عشرة وجبات من الوجبات المعيارية المعروفة لدورات الحكم ذات الأربع سنوات، التهمها القذافي لوحده، في مرة واحدة، ودونما راحة بين هذه الوجبات، فلم يصب بأي نوع من أنواع التسمم أو التخمة التي يسببها عادة فرط تناول الجرعات والإسراف فيها.
 
حاكمنا المزمن والمدمن تسلطا واستبدادا يعاني من حالة مرضية مستعصية، ولدرجة جعلته يساوي بين بقائه على كرسي حكم لم يتقن يوما الجلوس عليه، وبين بقائه هو ومن حوله على قيد الحياة.
 
 لقد حسمت الغالبية العظمى من ضحايا هذا المريض بعد صبرها الطويل أمرها، وقررت الثورة عليه وعلى نزواته، وفضل الكثير منهم الموت على أن يكونوا مجرد ملهاة مريض، وموطنا لتنفيس نوبات ونزوات شخص شبق شاذ ليس لشبقه وشذوذه حد. وإذ تنجز هذه الزمرة هذا العمل التاريخي الجبار فإنها تهدي إلى كل المصابين بمتلازمة ش ش الاكتشاف الأهم والروشيتة المثلى المحتوية على البلسم الوحيد المجرب ألا هو نزيف الدم الذي بات وبحق عقارا مسجلا عالميا باسم كوكبة الشهداء الليبيين الأحرار الذين تمكنوا بقطرات دمهم النحيلة الطاهرة من القضاء على أكبر  الديناصورات السياسية المعاصرة.
 
غير أن القصة أو قل المأساة لم تنته بعد، ذلك أن القوقعة التي حضنت هذا الوحش خلال السنين قد غطى جدرانها وملأ فراغها  مسخ من البشر، عرفوا في ليبيا باسم الثوريين،  راقت لهم حالة الشبق التي عليها هذا الحاكم المتسلط، وبدوا كما لو أنهم كائنات دنيئة تتغذى على فضلات وإفرازات كائن حيواني أكبر وهي تعلم أنه عدوها وربما مفترسها.
 
إن أكبر ما يمكن أن يواجهنا بعد كسر قوقعة هذا الشبق الشاذ  والقضاء عليه هو البحث عن أولئك الشاذين الذين طاب لهم العيش ولسنين طويلة وهم يلعقون إفرازات شبق هذا الطاغية النتنة حتى تورمت أجسادهم وانتفخت كروشهم وبدوا مسخا بشريا تتقافز بعض نماذجهم المخزية على شاشة تلفزيون العار والشذوذ.  
 
لو لم يرتكب هذا الشبق المأزوم سوى ما أبداه أخيرا من تشبث حتى الموت بكرسي الحكم، لكان كافيا بإقناع أقل الناس حظا من الذكاء بالتخلي عنه، غير أن هؤلاء الشاذين الذين لا يزالون حوله أثبتوا وعلى وجه اليقين وقوعهم تحت طائلة مرض نفسي أحرزوا وبجدارة علامته المسجلة وحقوق اختراعه.
 
يا أيها الثوريون الشاذون إن مغتصبكم يترنح، وسقوطه أصبح في حكم المؤكد، ولن يصلي عليه أو يقف على قبره أحد، فماذا يمنعكم من نفض أيديكم منه والتبرؤ من عمله الآثم وتسجيل خلاصكم منه قبل أن يضمكم سجل التاريخ إلى قافلته ويلحقكم بركبه والذي سيقدمه هذا الشبق الأثيم ويقوده إلى جهنم كما يقدم كل طاغية قومه ومريديه.

حمزة وهالة وشاكير، ورمق النظام الأخير
 
 
كان بإمكان ملك ملوك الدنيا وأغنى أغنيائها معمر القذافي أن ينشئ لنفسه امبراطورية إعلامية لا مثيل لها، وما كان حينئذ للثلاثي حمزة وهالة وشاكير أن يفكروا مجرد التفكير في شغل وظيفة حراس على بوابتها الذهبية، فضلا عما يمارسونه هذه الأيام من أعمال لا إعلامية منفلتة أضرت بالنظام أكثر مما أفادته. ذلك لأن معايير ملك الملوك وفلاتره الإعلامية الدقيقة لا تسمح في أيام زهو النظام وأوقات سطوته وعربدته للمواطن البسيط المشكوك في ولائه كيوسف شاكير ومن هم على شاكلته بأن يرتقوا ذلك المرتقى الصعب، وأن يظهروا وكأنهم ضباط حركة عسكرية استولت على الحكم، وشرعت في إصدار أوامرها وإنذاراتها للرافضين، ومنح النياشين والجوائز للموالين المؤيدين. بل تبلغ الجرأة بهم أن يطلبوا من سكان مدينة مليونية كبنغازي بتسليمها ورفع الرايات البيضاء على أبوابها.  
 
 
لابد أن عميد القادة العرب، فكر في صنع تلك الإمبراطورية الإعلامية، وربما خطا نحو هذا الهدف خطوات، ولكنه عجز عن بلوغ هدفه، وقصر عن تحقيق مرامه، وذلك لسبب جوهري، وهو وجود تناقض صارخ بين أساس الإعلام البديهي المتمثل في إذهاب الجهل، وتوفير الجواب الصادق الشفاف عن كل سؤال مطروح، وبين الأساس الذي يقوم عليه هذا النظام والمرصوص غشا وتزويرا وتغفيلا وتضليلا وخنقا وتكميما لكل سؤال.
 
ولكن هل من دليل على توصيف كهذا ودعوى خطيرة كتلك؟
 
الدليل يحمله فريق الإنقاذ الأخير؛ حمزة وهالة وشاكير، ويلوحون به وبنزعة غريزية واضحة، متبعين نفس الأسلوب العتيق الذي درج عليه النظام، وهو يمارس إعلامه التجهيلي القائم على طريقة واحدة في إجابة الأسئلة، والتي يبدأ فيها المجيب المتسلط المستبد عن السؤال من حيث يجب أن ينتهي، وينتهي من حيث يجب أن يبدأ.
 
يبدو لك وأنت تستمع إلى أي منهم وكأنك أمام شخص تطلب منه أن يدلك على طريقة الوصول إلى مكان ما، فيبدي لك علمه الأكيد بما تريد، ويشعرك بأنه صاحب الحق الحصري في الإجابة على كل سؤال، ثم يشرع في الإجابة عن السؤال مبتدأ من المكان الذي تسأل عنه، ناسيا أو متناسيا أنك لا تعرف هذا المكان أصلا، وأنك ترجو بسؤالك المتواضع البسيط أن تصل إلى مبتغاك بطريقة منطقية تقبلها الأفهام وتتجاوب معها تضاريس المكان الوعرة المتشعبة، وخطوط ومعادلات الزمان المتغيرة.
 
 
العنوان الضائع، والسؤال الكبير الحائر المحير هذه الأيام، والذي تلهج به ألسنة الليبيين ومن تعاطف معهم من آدميين منصفين، هو الاستفتاء على النظام الجماهيري السعيد، ورأسه العتيد، سيادة القائد العقيد.
 
سؤال كبير خطير كتبت حروفه بنزيف دماء آلاف الشهداء الأبرار، وغصت خلفيته بأصوات المدافع وأزيز الطائرات وأدخنة الحرائق، كما حملت تضاعيف إيقاعه الموغلة في الحزن بكاء الأطفال، وأنين المجروحين، ونواح الثكالى، ونحيب الأرامل. وتكاد لوقع زلزاله المدوي أن تتشظى البلاد الواحدة شظايا عديدة، وتتباعد إلى الأبد صفائحها الجيولوجية، وتتمزق، دونما أمل في رتق، روابطها الوجدانية.
 
كل ذلك لا يُحدث لدى إعلام الرمق الأخير، وثلاثيه الشهير؛ حمزة وهالة وشاكير أي شيء يذكر. فأصوات قنابل السحر الطُنيِّة هي مجرد ألعاب خُط ولوَّح نارية، وجماهير الرافضين والمحتجين قلة قليلة مهلوسة، وشلل البلاد الذي سبب عرجا بائنا لها يكاد يوقف حركتها، لا يعدو سوى رقصة فولكلورية من تراثنا الفني الشعبي الجميل، اتخذت من انفجارات قنابل الناتو إيقاعات شاعرية لها. وفي ختام ذلك كله، يقذفونك بالمتلازمة الشهيرة المعروفة؛ معمر وبس، والفاتح أبدا، وتصبحون على نصر.
 
هل هي مجرد صدفة أن يكون أبطال الفصل الأخير من هذه التراجيديا المرهقة، هم الثلاثي الخطير، حمزة وهالة وشاكير؟
 
كلا إنه الانتخاب الأخير، وخلاصة الخلاصة، وعصارة العصارة، والفرزة الخاتمة لمنتجات هذا النظام المتداعي الذي يكتب هذا الإعلام الكاذب وبالخط العريض أخبار نعيه، ويلقي كلمة تأبينه.
 
كنا في مرات سابقة، ونحن نتعامل مجبرين مع هذا الإعلام المريض، نرهق عقولنا ونكد ذاكرتنا ونحن نحاول حل ألغاز وأحاجي الإعلام الجماهيري المراوغ الكذاب، غير أن هذه المشقة حملها عنا هذه المرة هذا الثلاثي البديع. ذلك أن ثلاثتهم يجيدون فضح أنفسهم أكثر بكثير من قدرتهم على حبك القصص الكاذبة وتصوير المشاهد المزورة، فيهونون بعملهم هذا المهمة علينا، ونتفرغ للضحك بدل إجهاد الذهن بالبحث عن الحل المستحيل لأحاجي وألغاز الإعلام الهزيل.
 
من أمثلة ما تبرع به أحد أعضاء هذا الثلاثي من إجابات عن السؤال الكبير المطروح هو قيام الدكتور حمزة بالتلويح بالبندقية، وهو يرتدي اللباس الفلكلوري المشحون رموزا، وينشد أناشيد القبيلة المكتنزة إثارة وحماسا، ويقسم لولي الأمر وظل الله في الأرض والقائد الضرورة بأنهم، أي حمزة وأتباعه، فداء للقائد، ولآخر طفل، وآخر رضيع، وآخر قطرة من دم.
أي إجابة أبلغ من هذه الإجابة، والتي لا يجد السائل بعدها إلا أن يختار بين الأسهم الإجبارية الثلاثة؛ قبول الجواب الإجباري، أو الموت الإجباري، أو ربما يكون محظوظا فيتحصل على المنفى الإجباري، وهي اتجاهات ثلاثة سلكها الكثير من الليبيين خلال السنين الأربعين.
 
أما إذا كنت من الباحثين عن الجواب في قالبه الناعم اللطيف وجوهره الرائق الشفيف، فما عليك إلا أن تكابد السهر، وتنتظر هالة السحر، وهي تطل عليك بطلتها الشهرزادية المتجددة، لتحملك على بساطها المغناطيسي المخدر، وتشيد لك من قصصها وأفلامها الهوليودية مدينة من وعود، وآفاق نصر، بل وحتى جنات خلود.
 
وثالث هؤلاء المغاوير المحلل الكبير، يوسف شاكير، فارس الجوجل الشهير المثير، ومالك كل سر ودليل خطير، وصاحب المسبحة الطويلة والزبد واللعاب الغزير، وهو المختزل، وبكل اقتدار، كل ما حفظه التاريخ من أوصاف عربية للمتملق ذي الوجهين، حتى أنك لا تستطيع وأنت تستمع إليه إلا أن تفترض أنه الممثل الأسطورة الذي يمثل الدورين المتناقضين في آن. ومما يساعدك على ذلك وربما يجبرك عليه إجبارا ما يقوم به المخرج من حين لآخر، وهو يعرفك بأنك أمام مؤيد حالي طويل الباع، ومعارض سابق حتى النخاع.    
 
ولا يمكن لي أن أختم وأنا أحاول تحليل وفهم ألغاز وأحاجي هذه الكوميديا السوداء بألوانها القاتمة المضطربة، دون التعريج على أولئك المحسوبين على الدين، والمغيرين نصوصه، الرافضة للظلم المنكرة للطغيان، إلى نصوص مشرعة للاستبداد، مستسلمة للسلطان، وكأننا أمام مجرد حالة ملتبسة كمية سوادها تساوي كتلة بياضها، أو أننا لم نتبين بعد فساد نظام اعترف القائمون عليه أنفسهم باستشراء المرض في كل أركانه ونواحيه.

يعترف هؤلاء الشيوخ بأن النظام الذي يدافعون عنه هو نظام فاسد بلا شك، وبأن القائمين عليه هم المتسببون في فساده، وبأنه لا مجال لإصلاح النظام دون التضحية برموزه. ثم يغض هؤلاء الشيوخ الطرف عن كل هذه الحقائق الدامغة ليطلبوا من جموع الناس المغبونين المظلومين مزيد الصبر على الحكام، وذلك بدعوى عدم إثارة الفتن والمحافظة على أمن الوطن، والذي لا يعدو عن كونه أمن الحاكم وديمومة بقائه هو وبطانته المسيطرة المستفيدة
 حقا إنها قسمة ضيزى، وحكم جائر، وبهتان عظيم.
 وحقا إنه إعلام الرمق الأخير.
 

السبت، يوليو 02، 2011

القائد يعترف: ألفٌ كأف



 منذ أمد بعيد والشك يساورني في أن الجاذبية الأرضية متحدة المقدار في كل مكان على صفحة المعمورة، غير أن مشهد الأمس، الذي حوى آلاف البشر ممن وطئوا بأرجلهم الثقيلة صدر طرابلس بكامل كتلتهم المادية الصرفة، حوَّل هذا الشك إلى يقين. أجل فالناس في بلادي في حالة عدم استقرار كتلة، وربما حالة فقدان وزن بالكامل.

فالحركة المادية الصرفة لأجسامنا تحكمها معادلات ثابتة لا حصر لها، وتتحكم فيها قوى متعددة ومتداخلة ومتقاطعة، وربما متضادة، في سيمفونية بديعة، أحد أبرز ألحانها وأبلغه، هو التسبيح للخالق المبدع الذي خلق كل شيء وقدره.

أما الكتلة المعنوية لكياننا الآدمي العاقل المكلف المسئول وحركتها، فهي أشد تعقيدا من سابقتها المادية، كما أن نتائجها أعظم أثرا، ومحصلتها أكبر خطرا.

 تمكن القائد الدجال يوم أمس من إحضار كل تلك الكتل الآدمية المادية بكامل حمولتها، ومن أمكنة بعيدة متناثرة على مساحة ليبيا الشاسعة، وربما تونس والجزائر المجاورة، وذلك رغم ما يعانيه القائد، الذي تخلى عن كتلته المادية هذه الأيام متحولا إلى شبح يُسمع ولا يُرى، من نقص وقود ومركوب، وهو إنجاز يستحق لأجله شهادة عالية جدا، نوبل مثلا، في تقنية النقل المادي عبر الأثير، والنقل المعنوي عبر التزوير، كما يستحق القائد أيضا بهذه المناسبة اسما ولقبا جديدا، يضاف إلى خزانة ألقابه وأسمائه المكتظة أكثر من خزانة جواربه، بالمعقول وغير المعقول، من أسماء وصفات وألقاب.

كل الذي ذكرت عن القائد وإمكانياته يعرفه الجميع ممن هم حوله، والذين تأثروا بطريقة أو بأخرى بقوى العقيد السحرية، فجعلت بعضهم مريدين وللقائد عاشقين، وبعضهم خداما له طائعين، وبعضهم الآخر مسخا لا كتلة له ولا حجم ولا عقل ولا دين.

آخر البراهين على إمكانيات الدكتاتور الساحر الخارقة، هو تمكن شبحه يوم أمس من السيطرة على كل تلك الكتل البشرية، وتحريكها على طريق ذات تضاريس متشعبة وعرة خطرة، وتمكنه من صفِّ كل تلك الكتل في صفوف طويلة، واضعا على رؤوسهم المطأطأة المنكسرة علامته المميزة وشارته المعروفة وشريطه الأخضر المقرف، معلنا بذلك عن بلوغ تلك المزقة الخضراء مدى قياسيا من مداءات مسخ البشر واستعبادهم.

إن الأمر الأهم الذي أعلنه العقيد يوم أمس واحتفى به، هو انجازه الخطير، ومخترعه القصري، والذي وبحق لم يسبق لرئيس دولة من قبل أن أحرزه، ونسبه إلى نفسه بهذه الجرأة التي اتصف بها العقيد وهو يعلن على الملأ أن باستطاعته تفريخ ألف سفير، وربما ألف وزير، و ........الخ.

الماركة المسجلة لمخترع العقيد الأخير هو " ألف كأف". وهو مخترع يمكن بواسطته تغيير كل طبقة جلد القائد  المحيطة به؛ من وزراء، ورؤساء أجهزة، ورؤوس ثورية وأمنية في مرة واحدة، وقذف كل مزق ذلك الجلد الذي يغيره متى يريد، وفي دفعة واحدة، قاذفا به في أقرب سلة قمامة بشر، وربما أشباه بشر.

تـُرى كيف آوى أولئك المساكين من أمناء وقيادات عسكرية وأمنية، وهم مستنفرون إلى الدرجة القصوى لحماية القائد، إلى فراشهم في مساء يوم إعلان الاختراع الأخير" ألف كأف"، وبعد سماعهم بأنفسهم هذا التصريح الصاعق الذي أكد فيه سيدهم، المدافعين عنه بأرواحهم، وربما بأرواح فلذات أكبادهم، بأنهم مجرد منتج روتيني متكرر في مصنع تفريخ البيادق البشرية الرخيصة.

لا شك لدي في أن كل أولئك المسئولين، ينظرون إلى زملائهم الذين سبقوهم بالقفز من على ظهر السفينة التي يقودها هذا المجنون، بعين الغبطة، وربما الحسد، وذلك لتأكدهم بعد سماع مقالة قائدهم الأخيرة بأنهم مجرد مِزق من جلد مهتري يغيره العقيد ساعة يريد، وبأنهم ليسوا سوى مستوعبات وقود، يُستبدَل بغيره عند احتراقه، ولا شيء غير ذلك.

يا حراس القائد والمدافعين عنه، حتى بعد تحوله إلى شبح، بالأمس فقط، وبعد أكثر من أربعين عاما، من إبرام صفقة بيع دينكم ودنياكم لهذا الدكتاتور، ها هو يقوم بمعايرة نهائية لقيمة أعمالكم وكيانكم المادي والمعنوي، ويصرح بكل شجاعة وثقة، بأنكم مجرد طحالب يمكن زراعتها في مزارع الطحالب الكثيرة التي تحتويها إقطاعية البشر التي يملكها  هذا الدكتاتور المعمر وأبناؤه، وبأنه على استعداد لكشطكم بسكينه الحاد في مرة واحدة، واستبدالكم بغيركم لمجرد تعبيركم عن الحد الأدنى لآدميتكم وإنسانيتكم.

إن بقاءكم على حالة كهذه، وقبولكم بمعايرة كيانكم المادي والمعنوي وفق المقاييس المجحفة التي وضعها الدكتاتور ، سوف يعرضكم إلى الهلاك المعنوي في الدنيا والآخرة، فضلا عن الهلاك المادي المحيق بكم.   

محمد الشيباني
aa10zz100@yahoo.com