الأربعاء، يناير 18، 2012

سنة أولى ديمقراطية"13"


سنة أولى ديمقراطية"13"
                     
                      ** ومرة ثالثة، من نحن؟ **

الليبي براغماتي مثالي، ولكن لحسابه الخاص فقط

هكذا ظهر عنوان الدرس الثالث عشر على اللوحة الذكية، مشيرا إلى العنصر الثالث من عناصر الإجابة عن السؤال الكبير: من نحن؟

والبراغماتية في شكلها البسيط هي سلوك الإنسان الذكي الرشيد، للوصول من أقصر الطرق وأجداها إلى ما يريد.

والبراغماتي الفرد يكون ذا صوت متناسق بديع وهو يقوم بدوره الذي يكلفه به مايسترو الفرقة البراغماتية المنتمي إليها العازفة لنشيد الوطن كله. كما يكون صوت هذا البراغماتي نشازا مفسدا لعمل فرقته ومحبطا لمسعاها إذا حلق بعيدا عن السرب، وغرد تغريدا مخالفا لتغريد المجموعة.

 من السهل إقناع الفرد بأن يكون براغماتيا يعمل لحسابه الخاص، وذلك لما في عملية حساب ربح وخسارة العملية البراغماتية الشخصية من سهولة وبساطة. بيد أن أمر إقناع الفرد بالانخراط في الجوقة البراغماتية للمجموعة ككل والقبول بصفقتها المشتركة، يتطلب عملية حساب ربح وخسارة أصعب وأعقد من تلك التي تتطلبها ضرتها البراغماتية الفردية.

لا يتطلب حساب العملية البراغماتية الشخصية سوى قراءة بعض القياسات الغريزية والنزعات النفسية السطحية المباشرة، أما براغماتية الفريق فتتطلب الغوص في قياسات أعمق في النفس والشعور، ووضع اشتراطات أخلاقية وقيمية لا تتوفر في الإنسان بمجرد حصوله على الرقم القومي، أو عضوية المؤتمر الشعبي الأساسي، ولا حتى عضوية مكتب الاتصال باللجان الثورية، بل إن رجال الخيمة السابقين فشلوا فشلا ذريعا في ذلك، فمعظم هؤلاء، و برغم ما اجتروه طوال العقود من مقولات ودعوات وأناشيد حماسية براجماتية، إلا أنهم كانوا وراء كل قصور فادح، وإخفاق فاضح، في كل مباراة خاضها الفريق الوطني الذي احتكروا وحدهم عضويته طوال السنين الأربعين العجاف.


زاد في صعوبة تفهم الفرد الليبي لدوره في المنظومة البراغماتية الوطنية، قيام مايسترو الجماهيرية بتعلية سقف طموحاته لتشمل قيادة العالم كله وإنقاذ البشرية جمعاء. حيث بدا الهدف البراغماتي للجماهيرية العظمى غير قابل للتطبيق، وأصبح الفرد الليبي يرى في إصرار المايسترو الوحيد القذافي على تنفيذ نوتته المرهقة المستحيلة ضربا من الجنون، وأحس المواطن الفرد بأن دوره في مسيرة الدولة والجماعة غير ذي شأن.

في أجواء عدم الاقتناع بالهدف الجماعي وشطط القيادة وتهورها، حدث صخب وهرج ومرج، ساعد الكثيرين على إخفاء لحنه النشاز الشاذ، وهو العزف على وتر البراغماتية الشخصية الأنانية الضيقة. بل هناك من اقتنع بأن قيامه منفردا بنهب ما يمكنه نهبه هو عمل شرعي ينقذ بموجبه مالا ضائعا له فيه نصيب.

أربعون عاما وزيادة، والحلم البراغماتي الجماعي يسَّفه في أذهان الليبيين ووجدانهم، وذلك بما أدمنه النظام الحاكم السابق من تعثر وسقوط متتالي مع كل خطوة يخطوها، موهما الليبيين بأنهم رغم خسارتهم الظاهرة رابحون، وبأنهم رغم هزائمهم المعاشة منتصرون. 

     
تكرس التناقض بين المعلن والمحقق في أهداف الجماعة، وظهرت براغماتية الفريق في أدنى مستوياتها، كما ظهرت براغماتية، أو قل وصولية وانتهازية الشخص الفرد في أعلى مستويات جرأتها وعربدتها، حتى أصبح الفرد وبدون تردد يضحي بهدف المجموع في سبيل الحصول على هدفه الصغير وتحقيق مبتغاه الأناني الضيق.

يستند العمل البراغماتي الجماعي بشكل رئيسي على القدوة، فالقدوة الحسنة رافعة إيجابية جبارة تعمل عمل السحر في نفوس أعضاء الفريق، أما القدوة السيئة فهي تنقض بنيان العمل البراغماتي الجماعي من أساسه.

والقدوة سلم ذو درجات متصاعدة، تبدأ أولاها بولي أمر الأسرة الصغيرة، ويجلس على آخرها وأعلاها حاكم البلاد وولي أمرها. ولأجل ذلك فإن درجات القدوة تسند بتسلسلها هذا بعضها بعضا، فلا قوة أو تأثير يذكر لقدوة الحاكم الواقعة في قمة الهرم إلا بقوة ما دونه من قدوات، مهما دنت تلك القدوات وتباعدت.

وفي إجراء أحمق غبي، وعمل براغماتي انتهازي شخصي ضيق، عمد النظام السابق إلى منظومة القدوة في المجتمع فحطمها، وذلك من خلال محاربة وطمس كل بؤر التميز في البلاد ظنا من النظام أن طمس نجوم المجتمع من شأنه أن يعمل على إطالة عمر النظام، ويحقق البراغماتية الضيقة للدكتاتور وعائلته ورجال خيمته. غير أن النتيجة جاءت عكسية، حيث أدى هذا الإجراء إلى فقدان المجتمع  منظومة قدوته التي تؤمن ارتباط مكوناته، وتحفظ جدرانه وأسواره، بل ونظامه الحاكم كله. فبمجرد انطلاق رصاصات معدودة في البيضاء المدينة الصغيرة النائية عن العاصمة، تداعت دولة بوليسية عتيدة، وأصبح الشرق الليبي بكامله متمردا على كل قدوات النظام القائمة، لتحل محلها وعلى الفور قدوات وقيادات الظل المعبرة بصمت عن وجدان الأمة والوكيلة الشرعية لها، والتي ورغم ما تعرضت له من ضربات قاسية إلا أنها وجدت في مخزونها القيمي وفيضها الأخلاقي وغطائها الشرعي ما يكفي من القوة لانطلاقها من جوف رمادها انطلاقة أسطورية فينيقية مدهشة.

لعله من المقبول والمعقول جدا ربط كل ما حدث، وبهذه السرعة الفائقة، بفقدان كبراء النظام وركائزه، بدءا من القائد وحتى أمين مؤتمر شعبي أساسي، أية رائحة لقدوة صالحة، بل على العكس من ذلك بدا جميع هؤلاء مجرد وكلاء لسلطة غاشمة كان كل هدف براغميتها الدنيئة هو مجرد ضمان وجودها، مع التجاهل الكامل لهدف المجموعة الكبير السامي.

أدرك مدرس السنة أولى ديمقراطية أنه أسهب كثيرا في تشخيص الحالة، وأراد أن يشرك الطلبة في الجزء الأخير من الدرس، وهو الاقتراب أكثر من المشكلة ومحاولة حلها.

ولكن وقت الدرس الثالث عشر انقضى، وأعلنت لوحة فصل سنة أولى ديمقراطية الذكية تأجيل الشطر الثاني من درس البراغماتية الشائك الخطير إلى الحلقة الرابعة عشر القادمة إن شاء الله.

محمد الشيباني



الخميس، يناير 12، 2012

سنة أولى ديمقراطية"12"

سنة أولى ديمقراطية "12"

                  ** البداوة المهجنة حتى الانفلات **

يصح إطلاق لفظ البداوة على معظم سكان العالم العربي، وبصورة أخص على سكان المناطق التي لم تمنحها الطبيعة مقومات الاستقرار في مكان واحد؛ مثل أرض خصبة ممطرة طوال العام، أو واد ممتد لا ينقطع دفقه، أو منجم مكتنز جوفه، أو غير ذلك من عوامل الاستقرار والاستغناء عن الضرب في الأرض طلبا للكلأ والماء.

وهناك من يجعل من البداوة والجاهلية شيئا واحدا، وذلك من جهة دلالة اللفظين على البعد عن المدينة، والنأي عن العمران. وهو رأي تؤيده الكثير من الشواهد.

إن مجرد ما يحدثه المكان النائي عن العمران في سلوك ونفوس ساكني البادية ومجاهل الأرض، كفيل بإلصاق صفة التخلف بساكني هذه الأمكنة. وتزول صفة التخلف هذه بزوال أسبابها، وذلك إما بتطور المكان نفسه وهجرته من تخلفه، وارتدائه ثوب المدينة واستعماله أدواتها، أو بتطور الإنسان القاطن اضطرارا البادية، وإقدامه على كسر طوق البداوة والجاهلية، والهجرة منهما إلى الأبد، إلى حيث موئله الأخير، المدينة.   

ولأن الحضارة والمدنية ضالة كل إنسان راشد، فقد بات من الظواهر المؤكدة تآكل البادية وتطور سكانها وهجرتهم المتواصلة من البادية إلى المدن.

وحيث أن البقاء للأصلح، فليس للبادية من بُدٍّ سوى الخضوع لهذا الناموس الكوني الصارم، والتحول من كيانها الشاذ المؤقت إلى الكيان الحضاري الدائم، المدينة، حيث يعيش الإنسان مكرَّما كما أراد له خالقه أن يكون.

تجاوب الليبيون منذ الأزل مع ناموس الطبيعة الذي يُركِض الناس من مقامهم الطارئ، البادية، إلى حيث مقامهم الدائم المدينة. وساعد اكتشاف النفط على زيادة وتيرة خطوات الراحلين عن الكهوف والخيام، إلى صروح المرمر وأبراج الرخام.

والليبيون في رحلتهم المباركة مكانا ووعيا من البادية إلى المدينة، حققوا ما يمكن أن يطلق عليه طفرة حضارية، وذلك بفعل ما توفر لديهم من زاد خلال هذه الرحلة التاريخية، حيث تشكل زادهم من موفور الموارد الطبيعية التي حباهم الله بها، وكذا بما جبلت عليه نفوسهم من قابلية للتمدن، بالإضافة إلى حكومة راشدة متحضرة دفعت بهم في المسار الصحيح، وهو مسار طلب التحضر وهجر التبدون والتصحر.

كل المؤشرات التي ظهرت في بداية المسيرة كانت مشجعة جدا، حيث بدت دولة ليبيا على شاشة كمبيوتر الخبراء والمحللين الاستراتيجيين في بداية الستينات كما هي عليه دولة الإمارات العربية، توأم ليبيا، الآن.

في خطين متوازيين، وفي نفس الموعد تقريبا، بدأ كل من البدو الإماراتيين والبدو الليبيين رحلتهم من مجاهل البادية إلى الحاضرة، فوصل البدو الإماراتيون في موعدهم، وعلى الحال الذي توقعه خبراء رحلتهم التاريخية ومهندسوها.

السبب الأهم وراء نجاح الإماراتيين في التحول السريع  من البداوة إلى المدنية، هو أن بداوتهم البسيطة البريئة التي حملوها معهم إلى المدينة سرعان ما تحللت إلى عواملها الأولية وذابت في الوسط الحضري، دونما أن تسبب أي إعاقة في تيار حياتهم المنتظم.


البدو الليبيون، وبفعل حتمية النواميس، فعلوا هم أيضا ما فعل غيرهم من الراكضين في مضمار النزوح السرمدي من الأدنى إلى الأعلى، ولكنهم، البدو الليبيون، وبفعل طارئ طرأ على رحلتهم لم يتمكنوا من قطع المسافة بين التخلف والتحضر في المدى الزمني المعقول، كما أن تكلفة الرحلة قفزت إلى معدل لم يتوقعه أكثر المحللين تشاؤما. آخر هذه التكاليف حرب أهلية.

لماذا؟


مكان بداية الرحلة واحد، البادية العربية.
مكان نهاية الرحلة واحد، حاضرة كحاضرة الإمارات مثلا.
زمن الرحلة واحد، وهو أربعة عقود من الزمن الغالي.
زاد الرحلة واحد، حيث البشر: عرب،  والموارد: نفط.

ليس هناك من سبب وراء انتكاسة رحلة الليبيين سوى ما يمكن أن يطلق عليه البداوة المهجنة حتى الانفلات التي طرقت باب المدينة بعنف ثم كسرته، وتحوصلت على نفسها مانعة مكوناتها من الذوبان في أجواء الحاضرة والتشكل في قوالبها، وهو أمر نشاز غير معهود أثقل خطى البدو الليبيين ، وحاد بهم عن هدفهم ومرماهم.

أعلم أنني أطلت هذه المقدمة بعض الشيء، ولذا يتوجب عليَّ الإيجاز. أليس كذلك؟

حسنا، سأفعل.

خلاصة القول أن البداوة في خلقتها العادية كائن خجول بريء، وقد تعامل معه الكثيرون بالطريقة التي نعلم، ولم يفعل بهم ما فعله بنا نموذجه المطور المنفلت، البداوة المهجنة.


لا استطيع أن أغادر دون أن أقف بكم، ومن الآخر، كما يقولون، وأريكم مشهدين من مشاهد البداوة المهجنة الوقحة الفجة، والتي شكلت بتراكمها فوق جوهرة وعينا وإدراكنا طبقة من الحمق والسفاهة، وضعتنا في الدرك الأسفل من دنيا الناس، وأي درك أشنع من درك محاربة بعضنا بعضا. وهذان المشهدان هما:

تخيلوا معي إنسانا سويا يرى رئيس دولة في الألفية الثالثة، يقوم بشحنُ خيمة وناقة جوا من فيافي ومجاهل الجماهيرية، ثم يتكلف، ولدرجة الجنون، في الحصول على مكان لهما في مركز أكبر مدن العالم وبؤبؤ عين الحضارة والمدنية، حيث تدق هناك، وبتكلف أيضا، أوتاد الخيمة قسرا وقهرا وضد طبائع الأشياء، ثم  يرغم هذا الرئيس المعربد قوة الطوارئ الصحية في البلد الأوروبي المضيف على الاستنفار لإزالة ما يقذف به جوف ناقة ذلك البدوي الذي تكلف في تهجين بدويته إلى حد الجنون.

 لو صادف وأن رأى عابر شارع باريسي الخلقة والتفكير، وعلى حين غرة، إحدى صور البداوة المهجنة، وهي الخيمة والناقة الجماهيرية، وقد استقر بهما المقام في فناء قصر الإليزيه، لقضى ذلك الباريسي ما تبقي من عمره في إحدى المصحات النفسية.

هذا المشهد بكل ما يحويه من قبح واستهجان يبدو صغيرا جدا أمام إعجاب الجهاز السياسي والإعلامي للجماهيرية العظمى بما فعله رأس هرمه في غزوته الباريسية المشهودة، وقيامه، هذا الجهاز، بعقد استقبال أسطوري لقائد النصر والتحدي. كيف لا وقد فعل القائد البدوي المهجن ما فعل!  

ترى ماذا يتبقى في وعي شاب ليبي مقدم على الحياة الصعبة التي تشترط المنطق في كل شيء، وهو يرغم على تسمية الأبيض أسود، وقمة الانحطاط ذؤابة الانتصار!

صورة أخرى صادمة من صور البداوة المهجنة:

وزير خارجية دولة كبيرة يقوم بزيارة رسمية لدولة الجماهيرية العظمى، ووفق طقوس البداوة المهجنة يجد هذا الدبلوماسي الكبير نفسه في ذات الخيمة التي دقت أوتادها غصبا عن أنف الجميع في باريس، ووجها لوجه مع ملك ملوك البداوة المهجنة، حيث يجبر القائد الوزير المغلوب على أمره، بروتوكوليا طبعا، على الكرع في حليب الناقة حتى الارتواء.

ارتوى المسكين من الحليب الذي لم يذقه في حياته قط، ثم شرع من فوره في رحلة العودة إلى بلاده عبر جربة التونسية التي صنع منها الحصار بوابة الأسفار للصغار والكبار.
     
في الطريق من مكان الخيمة والناقة إلى حيث يريد الوزير حدث المضحك المبكي، حيث لم يكن أمام الوزير المبجل من حل، بعد أن غير طريقة قعدته على كرسي الليموزين المخملي مرات عديدة ومريبة، وكذا قيام مرافق الوزير بإفراغ ما لديه من مخزون تعطير الجو، سوى طلب توقف الموكب الديبلوماسي الباذخ، والسماح للوزير بالترجل من الليموزين ثم اللواذ بالخلاء، حيث فعل ما لم يفعله قبله وربما بعده وزير قط، وهو الاستجمار بالحصى في الأجواء المخملية.

ليس هناك من سبب وراء  هذا الحدث الجينزي الفريد سوى البداوة المهجنة حتى الانفلات. أجل حتى الانفلات!

الكائن الممسوخ، البداوة المهجنة، هو من كتب بين جفوننا والمآٌقي، وبالخط المتوهج العريض:

حطمت عصا الراعي تاج الملك.
وانتصرت الخيمة على القصر.

من فضلكم يا إخوتي الليبيين البدو تحسسوا ثنايا أفكاركم، وسراديب نفوسكم، ومسارب وعيكم، وستجدون هذا الكائن اللئيم، البداوة المهجنة، في إحدى صوره الكريهة، وقد انخرط في تشويه كل فكرة حسنة لعاقل، ونزع كل نزعة خير في نفس إنسان بدوي بريء، وطمس كل ومضة وإشراقة حق وعدل لمعت في وعيكم. وبكل تأكيد سيسرق منكم ثورتكم إن لم تسارعوا بالقضاء عليه واجتثاثه.

مشكلة أمراضنا التي ترسم بشكل أو آخر هويتنا وتتدخل بقوة للإجابة على السؤال المحوري: من نحن؟ هي أن هذه الأمراض يغذي بعضها بعضا، وتتقاطع في نقاط كثيرة، مشكلة طوقا من البؤس، قيدنا بحباله الفولاذية أربعة عقود، ولن يتردد في تطويقنا المدة ذاتها، إن لم نشن حربا لا هوادة فيها عليه. وبعدها فقط ستصبح طرابلس وبنغازي توأم دبي، وربما سنغافورة.

أعلم أنني أطلت، ولكنني كما وعدت، أحاول أن أجيب على السؤال الكبير:

من نحن؟

أولا: نحن ضحايا العوز الثقافي.
ثانيا: نحن ضحايا البداوة المهجنة.
أما ثالثا، فسنطرق بابها في الدرس القادم إن شاء الله.

ولأن مهمة الإجابة عن هذا السؤال: من نحن؟ مهمة صعبة وجسيمة ويلح بها الظرف الحرج القائم؛ فإنني آمل ممن لديه إجابة على هذا السؤال المبادرة بالتطوع بها، لما في ذلك من إنارة لدربنا الموحش الطويل، وتقصير لفترة استواء الصف الديمقراطي الليبي الذي أرجو أن يبلغ كماله بانتهاء السنة الأولى ديمقراطية.

محمد الشيباني
Libyanspring.blogspot.com

الثلاثاء، يناير 10، 2012

سنة أولى ديمقراطية"11"


سنة  أولى  ديمقراطية  "11"

لم يكن التكليف بالواجب المنزلي مبعث سرور في نفس تلاميذ السنة أولى ديمقراطية، وذلك لما علق في أذهانهم من ذكريات التكليفات المدرسية في سني دراستهم الأولى المرهقة، بالإضافة إلى وجبات التعليم الإضافي الركيكة التي عانوا منها الكثير إبان تدريبهم العسكري المدرسي المضني.

الأمر مختلف كثيرا هذه المرة، وذلك بسبب النكهة الديمقراطية المثيرة لهذا الواجب الديمقراطي المنزلي الأول، تلك النكهة التي كنا نتحسس شذاها من وراء البحار حيث تفنن الناس هناك في صنع أطباقها وأصنافها الشهية والمثيرة.

لأجل ذلك توفر لدى الطلبة ما يكفي من الحماس لتأدية واجبهم المنزلي الديمقراطي الأول، والمتعلق بالإجابة على السؤال الديمقراطي الكبير:

"من نحن؟"

ولضمان نتيجة سريعة ومفيدة، قام التلاميذ باستخدام تقنية الحاسوب التي ساعدتهم على تجميع وتحليل البيانات، كما استخدموا تقنية الانترنت في التواصل فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين اللوحة الذكية الموصولة بالشبكة العنكبوتية من جهة أخرى.

وفي بداية اليوم الدراسي الحادي عشر كانت اللوحة الذكية مثقلة بكم هائل من الإجابات، حيث قامت بتحليلها وتصنيفها إلى الفئات الثلاث التالية:

الفئة الأولى، والتي غلبت على إجابات أصحابها لغة الحماس والافتخار بالوطن تارة، وتارة بالعرق، وتارة أخرى بالقبيلة، وغير ذلك مما يزخر به خطابنا التقليدي الطافح بالمعقول وغير المعقول.

أما الفئة الثانية، فقد كان منهجها في الإجابة على السؤال والتعريف بنا نحن الليبيين مناقضا تماما للأولى، حيث بالغت في جلد الذات، وتهوين ما لدينا من إمكانيات وأدوات التأهل لعضوية النادي الحضاري الدولي. وبمعنى أوضح كان موقف هذه الفئة موغلا في التشاؤم.

إلا أن الفئة الثالثة، والتي كان معظمها من المعجبين بمنهج مهاتير محمد وأمثاله من القادة الناجحين، والمفتونين بآراء المفكرين التنويريين الذين تعمقوا كثيرا في دراسة علل الأمة من لدن الكواكبي في تقصيه لظاهرة الاستبداد بأضرابه المختلفة من وجهة نظر كل من صناع الاستبداد والقابلين للاستبداد، ومرورا بالمفكر مالك بن نبي ذلك المفكر المسكون بمشكلاتنا الحضارية وهمومنا الثقافية والفكرية، وانتهاء بما تزخر به الآن الساحة الثقافية وهي تتجاوب مع الزلزال الديمقراطي المفاجئ وموجاته الارتدادية الكثيرة الخطيرة.

من أهم ثمار إلمام الطلبة بتجارب الساسة والمفكرين، والتي كان محورها الرئيس هو المواطن وما يحمله من وعي وإدراك إيجابي، قام الطلبة، وهم يحاولون الإجابة على سؤال الهوية الحضارية، من نحن؟،  بالتركيز على مبدأ مواجهة المواطن مع نفسه، وذلك بعد تجريده مما علق بفكره وسلوكه من عيوب، منها ما هو خلقي النشأة؛ كحب الذات والعصبية والاعتداد المفرط بالنفس، ومنها ما تسلل إلى المواطن من البيئة الموبوءة من حوله جراء أفعال المتسلطين والمترفين.

قامت هذه الفئة بإعداد استبيان تأسست فكرته على استقصاء حالة الهوية الحضارية لكل مواطن شملته العينة، تلك العينة التي أعدت وفق منهج علمي إحصائي دقيق، وخلص هذا الاستبيان إلى معاناة كل هويات أفراد العينة من الأمراض الخطيرة التالية:

أولا مرض العوز الثقافي: برغم بعض التحسن في إزالة أمية الحرف اللغوي مفتاح القراءة والكتابة، إلا أن أمية الحرف الثقافي مفتاح قراءة مفردات الحياة الاجتماعية والسياسية لا زالت في مستوياتها المخيفة، مما يجعل من محاولة القيام بالخطوة الأولى على سلم التطور الحضاري الديمقراطي أمرا صعبا، إن لم يكن مستحيلا.

حالة أمية الحرف الثقافي هذه كانت مرمى سهام كل حاكم مستبد، فبدل أن يقوم حكامنا الظلمة السابقون بمحاربة حالة العوز الثقافي لدى رعاياهم ويستأصلونها، قاموا، وعلى العكس من ذلك، بتكريس هذه الحالة، وشنوا حروبا شعواء على كل من أحس في نفسه الشعور بالكرامة الثقافية صنوان الكرامة البشرية ولازمتها الأساسية.

ألم يقم المتحكِّم بنا سابقا، والمتحكَّم به حاليا، بإشعال حرب تجهيلية ضارية استهدفت كل من ظهرت عليه أعراض عدم قابلية مسخ الذات الفكرية، واعتبر وجود الكائنات البشرية الثقافية مؤشرا على قصر عمره كدكتاتور، فجعل من إنجازاته الكبرى تطهير البلاد من كل مثقف.

إننا، ونحن نحاول الإجابة على سؤال الهوية الحضارية، من نحن؟ لا يمكننا التقدم خطوة واحدة في طريق الإجابة على هذا السؤال المركزي المهم دون التأكد من سلامة العينة محل الفحص من عيب الأمية الثقافية.

المؤسف جدا أن نتيجة الخلو من هذا العيب كانت صادمة، إذ أن الغالبية الساحقة من عينة الدراسة كانت أمية ثقافيا وفكريا، وذلك كنتيجة منطقية لسنوات المسخ الثقافي الطويلة المرعبة.

حاجز الوقت أيضا صدم طلاب السنة أولى ديمقراطية، وأعلنت اللوحة الذكية نهاية الحصة، على أن يستأنف الدرس نفسه في الحصة الثانية عشر القادمة. إن شاء الله.
 
محمد الشيباني

الخميس، يناير 05، 2012

سنة أولى ديمقراطية"10"



سنة أولى ديمقراطية"10"

لم تظهر اللوحة الذكية عنوانا جديدا لدرس اليوم العاشر كما هي عادتها مع كل درس جديد، وذلك لارتباط موضوع هذا الدرس  بموضوع الدرس التاسع الذي سبقه والحامل للعنوان الكبير والخطير: من نحن؟

ولضرورة أن يبدأ كل درس بعنوان، فقد اختارت اللوحة الذكية ذلك السؤال الذي اختتمت به الدرس السابق التاسع عنوانا للدرس الحالي العاشر. وذلك السؤال هو:

لماذا لم تفعل كتب القذافي التي كتبها بماء الذهب، وفرضها على الشعب، ما فعله كتاب مهاتير محمد المكتوب بالحبر الرخيص، والذي صادرته السلطات وعاقبت كاتبه؟

أبسط إجابة على هذا السؤال، وأقربها للواقع هو أن القذافي، وكما عُرف عنه حتى في آخر أيامه، رجل منفصل عن الواقع. وقد صبغ انفصاله هذا كل أفكاره التي ضمنها كتبه، وأقام عليها نظام حكمه المستبد. ولم يكن أمام الليبيين من بد وهم يقرؤون مكرهين أفكار القذافي، ويجبرون على تطبيقها، سوى مداراة الدكتاتور على مضض، مع اعتبار كل أفكاره ونظرياته أفكارا ونظريات لا تعنيهم، وإنما تعني أناسا آخرين لا يوجدون إلا في مخيلة القذافي.

تيقن القذافي بأن الليبيين لن يمنحوه من أنفسهم ما يريد، وبلغ به الإحباط حد الهوس، والذي ظهرت بعض صوره في إفصاح القذافي وبطرق مختلفة أن الليبيين دون مستوى فكره الكوني البديع، بل وقام بتشجيعهم ودعوتهم إلى مغادرة ليبيا، ليتسنى له بعد ذلك استجلاب شعب آخر غير الشعب الليبي يكون في مستوى أفكار الكتاب الأخضر وأطروحاته.

أما مهاتير محمد وطريقة تفكيره التي حوتها كتبه وأطروحاته، فإنها عكس ذلك تماما. ذلك أن الرجل جعل من إيقاظ الماليزيين من سباتهم الطويل، وإرجاعهم إلى وعيهم همه الأول. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف قام بتحرير كتبه بسن مبضع مهاتير الجراح، حيث تخلل مبضعه الحضاري جسم الإنسان الماليزي المتخلف المريض، ولامس كل علله وجروحه، وجعل هذا الطبيب المفكر من هذه العلل والجروح عناوين لآرائه وأطروحاته، كما جعل من إشفاء هذه العلل وتطبيبها من أهم مستهدفات خططه واستراتيجياته.

الذي يهمنا في المقارنة بين الملازم معمر القذافي، والطبيب الجراح مهاتير محمد، هو أن الأول ببعده عن الواقع وإيغاله في الطوبائية المرضية جرد الليبيين من وعيهم، وغيب عنهم عللهم وعيوبهم، وقلب زوايا نظرهم، فبدا لهم السقم صحة، والهزيمة نصرا، والتخلف تقدما، وهكذا. وأوضح دليل على ذلك إطلاق اسم العظمى على ليبيا، وذلك في اليوم الذي استبيحت فيه أرضها، وقصفت مدنها، وهدم فيه بيت حاكمها!

أما الطبيب الجراح مهاتير فلم يطلب من الماليزيين التحرك نحو مضمار الحضارة قبل قيامهم بفرك أعينهم، وإزالة أي أثر من كرى عالق بها، وكذا تطهير ذاكرتهم من أحلام منام أو يقظة كانت قد طافت بهم. أي أنه وضعهم على الزيرو، كما يقولون!

لابد لنا إذا أردنا الإجابة عن السؤال: "من نحن؟" أن نقوم بوضع أنفسنا على الزيرو.

حسنٌ. لنضع أنفسنا على الزيرو، ونبدأ بالإجابة عن هذا السؤال الخطير، من نحن؟

ولأول مرة منذ بداية السنة الأولى ديمقراطية، وعلى غير عادتها، قامت اللوحة بتكليف التلاميذ بواجب منزلي، وجعلت من الإجابة على السؤال، من نحن؟ وعلى الزيرو واجبا منزليا، على أن تناقش كل الإجابات في الدرس الحادي عشر القادم.

محمد الشيباني


الثلاثاء، يناير 03، 2012

سنة أولى ديمقراطية"9"


سنة أولى ديمقراطية"9"

بدأ الدرس التاسع من دروس سنة أولى ديمقراطية في وقته، وقبل أن تظهر اللوحة الذكية عنوان الدرس وإشارة البدء فيه، نهض أحد الطلبة، سائلا المدرس:

ــ هناك من يقول يا أستاذ إن سؤال القذافي الشهير، "من أنتم؟"، لم يكن يقصد به الليبيين، ولكنه كان يقصد به من انحاز إلى الثوار الليبيين من دول وحكومات عربية وأجنبية. ولذا وجب التنويه والاستدراك.

ــ ليس في هذا ما يستوجب الاستدراك! فالمقصود من هذا السؤال الاستنكاري، كما يعلم الجميع، هو تهديد وتحقير القذافي لكل من يقف إلى جانب الليبيين في ثورتهم، وإن من يحقر الخصم غير المباشر البعيد ويهدده، فإنه يشمل بتحقيره وتهديده الخصم المباشر القريب، وهو الشعب الليبي. ثم إن القذافي عندما أراد تحقير الليبيين صراحة ومباشرة نزل بمستوى تحقيره هذا إلى مدى أبعد من هذا بكثير، وهو إطلاق اسم الجرذان على الليبيين الثوار. وأي تحقير واستخفاف يلحقه إنسان بأخيه الإنسان أكثر من تسميته جرذا يجب مطاردته وإبادته.


إن هذا السؤال، الصعقة، على أي محمل حملناه، يزداد قوة وأثرا في النفوس عندما نعلم أن القذافي قد وجهه لنا بعد أن استحوذ على المال الذي سرقه منا، وسيطر على السلاح الذي اشتراه على حساب قوتنا، وجند جنودا من بيننا للفتك بنا بعد أن غرر بهم، كما اشترى جنودا آخرين من وراء الحدود استجلبهم ليسكنوا مساكننا بعد قتلنا وتشريدنا.

إن هذا السؤال الصاعق الذي أفلح وبحق، وربما للمرة الأولى، في تعريفنا بمدى هواننا في نظر خصمنا، كان سؤالا بقدر ما طفح به من نظرة سلبية مؤلمة، فإنه فاض بشحنة إيجابية صاعقة، أفلحت في انتشالنا من غيبوبة بلغ عمقها الحضاري قمة التخلف، كما بلغ عمقها الزمني السنين الأربعين، ولتكون نتيجة كل ذلك انطلاق طاقاتنا الخامدة وتحقيق الانجاز المعجزة، ألا وهو الانتصار على طاغية يملك كل شيء، ولا يأبه لأي شيء.

كان التفجير إيجابيا وكبيرا جدا، وذلك لأنه كان بفعل صعقة سلبية كبيرة جدا، ربما اختزلت كل ما لدينا من مظاهر السلبية واللامبالاة والتسيب والخنوع والخضوع، بل وحتى تمجيد وتقديس حاكم جاهل مستبد أرعن قاتل ظالم.


وعودة إلى السؤال موضوع الدرس: من نحن؟

الإجابات الإيجابية المباشرة على هذا السؤال كثيرة وكثيرة جدا، يبدأ أولها من هناك، من عند الملك شيشنق وإنجازاته المعقولة وغير المعقولة، وقد لا تنتهي هذه الإجابات المتبجحة عند آخر ملك، وهو ملك ملوك إفريقيا، وصانع الجماهيرية العظمى الأولى في تاريخ البشر.

وعندما نقبل بهذه الإجابات يتحتم أن نعترف بأننا نتحمل مجتمعين المسئولية كاملة عن كل ما فعله بنا الطواغيت أيا كانت أسماؤهم، وذلك لأنه لا يمكن لنا أن نجيب عن السؤال:"من نحن؟" دون القبول بتعرية أنفسنا ومكاشفتها، وإحداث الصدمة السلبية جدا المؤهلة لإحداث الفعل الإيجابي جدا. وليس هناك من سلبية ووصمة عار لحقت بنا أكبر وأشنع من موتنا أربعين عاما في القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين، وفي زمن اشتعلت فيه الأرض حضارة ورقيا وازدهارا.

مهاتير محمد بطل ماليزيا الأول في مباريات النهضة الماليزية، وباعث دولة ماليزيا من سباتها الطويل، استخدم أول ما استخدم من فنون ألعابه المبتكرة التي حازت بها ماليزيا كأس النمور الأسيوية، فن الصعقة السلبية جدا الذي أشرنا إليه.


في أول مشاركة لهذا البطل الفنان في مباريات التأهل الحضاري لدولة ماليزيا، قام هذا اللاعب المغمور، قبل أن يمن عليه الله بالظهور، بتأليف كتاب قام بشحنه بكم هائل من الشحنات السلبية التي قام برصدها وتجميعها من الجسم الماليزي المتداعي، ومن تم توجيهها، وبتركيز قوي، على مركز الشعور والإحساس في هذا الجسم الماليزي المتخدر.

كانت أهم تلك الشحنات السلبية الصاعقة التي وجهها مهاتير محمد إلى الأمة المالوية التي ينتمي إليها، والتي تشكل غالبية سكان ماليزيا، هي وصف هذه الأمة بأنها أمة كسولة!

انطلقت هذه الشحنة السالبة الصادمة وأحدثت أثرها، والذي ظهر أول ما ظهر سالبا محبطا، حيث هوجم مهاتير محمد، وصودر كتابه الذي ضمنه تشخيصه الصادم هذا، ثم تبع هذه الحالة سكون لبعض الوقت، ولكنه كان السكون الذي يسبق العاصفة.

فجأة عرف الشعب الماليزي علته، والتي أهداها إليه ابنه الصادق البار واللاعب الحضاري المتميز الفنان مهاتير محمد. وصديقك كما يقولون هو من يهدي إليك معرفة عيوبك.


وبمجرد كشف العلة والاعتراف بها والاتفاق على حصارها ومقاومتها، انطلق المارد الماليزي الجبار، وحقق في عقدين من الزمان ما يوصف بأنه معجزة حضارية نادرة الحدوث.

وما دام الحسن، كما يقال، يظهر حسنه الضد، فإننا سنعرف حسن هذا الرجل الباهر، إذا قارناه بضده السيء جدا؛ معمر القذافي.

هل أحسَّ أيٌّ من الليبيين، وخلال العقود الأربعة، أن معمر القذافي، وهو اللاعب الوحيد في الحلبة الليبية الحضارية الضيقة جدا، قد حاول يوما أن يأخذ بأيد الليبيين اللينة المطواعة، فيعرفهم بعيوبهم، وما أكثرها، ويصف لهم علاج أمراضهم، وما أخطرها، ثم يتطوع ويشرف على برنامج العلاج بنفسه.

حسنٌ. لقد فعل القذافي ما فعل مهاتير، وألف ليس كتابا واحدا، بل كتبا، إلا أن أيا من هذه الكتب لم يكن كالكتاب الذي ألفه الطبيب الجراح مهاتير، والذي تحول القلم الذي سطر به هذا الكتاب إلى مبضع أزال به الجراح المبدع مهاتير محمد سرطان الانهزام والخدر الفكري والحضاري الذي سيطر على الشعب الماليزي على مدى العصور.

الكتاب الأخضر، بل كتب القذافي جميعها لم تحتو كلماتها التي تعد بالملايين على كلمة واحدة تنبض بصدق الناصح، أو إبداع الفنان ولا يشم قارئها فيها أية رائحة من روائح بلسم الإفاقة من غيبوبة التخلف التي انخرط فيها الليبيون العقود الطوال.

نشر القذافي كتابه الأول، حل المشكل الديمقراطي، بعد أن اطمأن إلى أن كل الكتب، غير هذا الكتاب قد أحرقت، وأن كل الآراء والأصوات الفكرية والسياسية قد خنقت، وذلك بفعل الثورة الثقافية التي أشعلها مكرسا بها استبداده ودكتاتوريته.    

كما نشر كتابه الثاني، حل المشكل الاقتصادي، في ظل حرائق وأدخنة المؤسسات الاقتصادية الناشئة التي قام بحرقها وتدميرها دونما سبب وجيه يذكر، والتي أحل محلها اقتصاد التنبلة والخضوع والتسول ومد اليد، وليتحول كل الليبيين إلى طابور شركاء بطالة مقنعة، وصرعى غيبوبة اقتصادية قاتلة.

وكذا فعل عند نشر كتابه الأخضر الثالث، وغيره من الكتب اللاحقة الأخرى، والتي كانت أظهر ما تفوح منها من روائح هي رائحة  دكتاتورية الرأي الواحد، وإقصاء الآخر.


إن الفعل الذي أحدثته كل كتب القذافي في أنفس الليبيين ولَّد نتيجة مناقضة ومعاكسة جدا للنتيجة التي أحدثها كتاب مهاتير محمد في أنفس الماليزيين. وهي نتيجة تؤكد نجاح مهاتير في رحلة الغوص في أعماق الوعي الماليزي، كما تؤكد فشل رحلة القذافي الذي يدعي عالميتها.

لماذا؟

وفجأة أعلنت اللوحة الذكية نهاية وقت الدرس، مرجئة تكملة الموضوع حول إجابة السؤال الخطير: من نحن؟ إلى الدرس القادم.

محمد الشيباني